نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٦ - رواية أبي عبد الله الحميري في «الروض المعطار»
القول ، وواجهه بما لم يحتمله ابن عباد ، فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه وضرب بها رأس اليهودي ، فأنزل دماغه في حلقه ، وأمر به فصلب منكوسا بقرطبة ، واستفتى لما سكن غضبه الفقهاء عن حكم ما فعله باليهودي ، فبادره الفقيه محمد بن الطلاع بالرخصة في ذلك لتعدي الرسول حدود الرسالة إلى ما استوجب به القتل ، إذ ليس له ذلك ، وقال للفقهاء : إنما بادرت بالفتوى خوفا أن يكسل الرجل عما عزم عليه من منابذة العدوّ ، وعسى الله أن يجعل في عزيمته للمسلمين فرجا ، وبلغ الأذفونش ما صنعه ابن عباد ، فأقسم بآلهته ليغزونه بإشبيلية ، وليحاصرنه [١] في قصره ، فجرد جيشين جعل على أحدهما كلبا من مساعير كلابه وأمره أن يسير على كورة باجة من غرب الأندلس ويغير على تلك التخوم والجهات ، ثم يمر على لبلة إلى إشبيلية ، وجعل موعده أمام [٢] طريانة للاجتماع معه ، ثم زحف الأذفونش بنفسه في جيش آخر عرمرم [٣] ، فسلك طريقا غير الطريق التي سلكها الآخر ، وكلاهما عاث في البلاد وخرّب ودمر ، حتى اجتمعا لموعدهما بضفة النهر الأعظم قبالة قصر ابن عباد ، وفي أيام مقامه هنالك كتب إلى ابن عباد زاريا عليه [٤] : كثر بطول مقامي في مجلسي الذباب [٥] ، واشتد على الحر ، فأتحفني من قصرك بمروحة أروّح بها على نفسي ، وأطرد بها الذباب [٦] عن وجهي ، فوقع له ابن عباد بخط يده في ظهر الرقعة : قرأت كتابك ، وفهمت خيلاءك وإعجابك ، وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية تروّح منك لا تروح عليك ، إن شاء الله تعالى ، فلما وصلت الأذفونش رسالة ابن عباد ، وقرئت عليه ، وعلم مقتضاها ، طرق إطراق من لم يخطر له ذلك ببال ، وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد ، وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين ، والاستظهار به على العدو ، فاستبشر الناس ، وفرحوا بذلك ، وفتحت لهم أبواب الآمال ، وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك ، اهتموا منه ، ومنهم من كاتبه ، ومنهم من كلمه مواجهة ، وحذّروه عاقبة ذلك ، وقالوا له : الملك عقيم ، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد ، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلا : رعي الجمال خير من رعي الخنازير ، ومعناه أن كونه مأكولا ليوسف بن تاشفين أسيرا يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقا للأذفونش أسيرا له يرعى خنازيره في قشتالة ، وقال لعذاله ولوّامه : يا قوم إني من أمري على حالين : حالة يقين ، وحالة شك ، ولابد لي من إحداهما ، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي له ويبقى على وفائه ، ويمكن أن
[١] في ب ، ه «ويحاصره في قصره».
[٢] في ب ، ه «وجعل موعده إياه طريانة».
[٣] الجيش العرموم : الكثير العدد ، القوي.
[٤] زاريا عليه : ساخطا عائبا له.
[٥] في ب «الذبان».
[٦] في ب «الذبان».