نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٠٥ - سقوط «بسطة» وغيرها
إيالته ، ويعطيه مالا جزيلا على ذلك ، وأي بلاد شاء من الأندلس يكون فيها تحت حكمه ، قالوا : وأطعمه صاحب غرناطة في ذلك ، فخرج العدو في محلاته لقبض الحمراء والاستيلاء على غرناطة ، وهذا في سر بين السلطانين ، فجمع صاحب غرناطة الأعيان والكبراء والأجناد والفقهاء والخاصة والعامة وأخبرهم بما طلب منه العدو ، وأن عمه أفسد عليه الصلح الذي كان بينه وبين صاحب قشتالة بدخوله تحت حكمه ، وليس لنا إلا إحدى خصلتين : الدخول في طاعته [١] ، أو القتال ، فاتفق الرأي على الجهاد والوفاء بما عقده من صلح ، وخرج بمحلته. ثم إن صاحب قشتالة نزل على مرج غرناطة ، وطلب من أهل غرناطة الدخول في طاعته ، وإلا أفسد عليهم زروعهم ، فأعلنوا بالمخالفة ، فأفسد الزرع ، وذلك في رجب سنة خمس وتسعين ، وثمانمائة ووقعت بين المسلمين والعدو حروب كثيرة ، ثم ارتحل العدو عند الإياس [٢] منهم ذلك الوقت ، وهدم بعض حصون ، وأصلح برج همدان والملاحة ، وشحنهما بما ينبغي ، ثم رجع إلى بلاده ، وعند انصرافه نزل صاحب غرناطة بمن معه إلى بعض الحصون التي في يد النصارى ففتحها عنوة [٣] ، وقتل من فيها من النصارى ، وأسكنها المسلمين ، ورجع لغرناطة ، ثم أعمل الرحلة إلى البشرات في رجب المذكور ، فأخذ بعض القرى ، وهرب من بها من النصارى والمرتدين أصحابهم ، ثم أتى حصن أندرش فتمكن منه ، وأطاعته البشرات ، وقامت دعوة الإسلام بها ، وخرجوا عن ذمة النصارى ، وهنالك عمه أبو عبد الله محمد بن سعد بجملة وافرة ، فقصدهم في شعبان من غرناطة ، واستقر عمه بالمرية ، وأطاعت صاحب غرناطة جميع البشرات إلى برجة ، ثم تحرك عمه مع النصارى إلى أندرش فأخذها لرمضان ، وخرج صاحب غرناطة لقرية همدان ، وكان برجها العظيم مشحونا بالرجال والعدة والطعام ، فحاصره أهل غرناطة ، ونصبوا عليه أنواعا من الحرب ، ومات به خلق كثير منهم ، ونقبوا البرج الأول والثاني والثالث ، وألجؤوهم للبرج الكبير ، وهو القلعة ، فنقبوها ثم أسروا من كان بها ، وهم ثمانون ومائة ، واحتووا على ما هنالك من عدة وآلات حرب.
وفي آخر رمضان خرج صاحب غرناطة بقصد المنكب [٤] ، فلما وصل حصن شلوبانية نزله ، وأخذه عنوة بعد حصاره ، وامتنعت القلعة [٥] ، وجاءتهم [٦] الأمداد من مالقة بحرا فلم
[١] في ب «الدخول تحته».
[٢] الإياس : اليأس.
[٣] عنوة : بالقوة ، رغما.
[٤] المنكب : بلد على ساحل جزيرة الأندلس من أعمال إلبيرة. انظر حاشيتنا ص (٠٣).
[٥] امتنعت القلعة : كانت منيعة ولم يستطع العدو فتحها.
[٦] في نسخة عند ه «وجاءهم الإمداد».