نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٩٣ - كتاب من السلطان أبي الحسن المريني إلى الملك الصالح بن السلطان الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر
وقد كان من مددنا بالجزيرة جيش شريت شرارته [١] ، وقويت في الحرب إدارته ، يبلون البلاء الأصدق ، ولا يبالون بالعدو وهم منه كالشامة البيضاء في البعير الأورق [٢] ، إلا أن المطاولة بحصرها في البحر مدة ثلاثة أعوام ونصف ، ومنازلتها في البر نحو عامين معقودا عليها الصف بالصف ، أدّى إلى فناء الأقوات في البلد ، حتى لم يبق لأهله قوت نصف شهر [٣] مع انقطاع المدد ، وبه من الخلق ما يربي [٤] على عشرة آلاف دون الحرم والولد ، فكتب إلينا سلطان الأندلس يرغب في الإذن له في عقد الصلح ، ووقع الاتفاق على أنه لاستخلاص المسلمين من وجوه النجح ، فأذنّا له فيه الإذن العام ، إذ في إصراخه وإصراخ من بقطره من المسلمين توخّينا ذلك المرام ، هنالك دعي النصارى إلى السلم فاستجابوا ، وقد كانوا علموا فناء القوت وما استرابوا ، فتم الصلح إلى عشر سنين ، وخرج من بها من فرسان ورجال وأهل وبنين ، ولم يرزؤوا [٥] مالا ولا عدّة ، ولا لقوا في خروجهم غير النزوح [٦] عن أول أرض مس الجلد ترابها شدة ، ووصلوا إلينا فأجزلنا لهم [٧] العطاء ، وأسليناهم عما جرى بالحباء ، فمن خيل تزيد على الألف عتاقها ، وخلع تربى على عشرة آلاف أطواقها ، وأموال عمت الغنيّ والفقير ، ورعاية شملت الجميع بالعيش النّضير ، وكف الله ضر الطواغيت عما عداها ، وما انقلبوا بغير مدرة عفا رسمها وصم صداها.
وقد كان من لطف الله حين قضى بأخذ هذا الثغر ، أن قدّر [٨] لنا فتح جبل طارق من أيدي الكفر ، وهو المطلّ على هذه المدرة ، والفرصة [٩] منها إن شاء الله متيسّرة ، حتى [١٠] يفرق عقد الكفار ، ويفرج بهذه الجهة منهم مجاور وهذه الأقطار ، فلولا إجلابهم من كل جانب ، وكونهم سدوا مسلك العبور بما لجميعهم من الأجفان والمراكب ، لما بالينا بإصعاقهم ، ولحللنا بعون الله عقد اتفاقهم ، ولكن للموانع أحكام ، ولا راد لما جرت به الأقلام ، وقد أمرنا لذلك الثغر بمزيد المدد ، وتخيرنا له ولسائر تلك البلاد العدد والعدد ، وعدنا لحضرتنا فاس لتستريح الجيوش من وعثاء السفر [١١] ، وترتبط الجياد وتنتخب العدد لوقت الظهور المنتظر ، وتكون على أهبة الجهاد ، وعلى مرقبة الفرصة عند تمكنها في الأعاد ،
[١] شربت شرارته : انتشرت وعظمت.
[٢] الأورق : ما كان لونه لون الرماد.
[٣] في ج «قوت شهر».
[٤] يربي : يزيد.
[٥] لم يرزؤوا مالا ولا عدة : أراد لم يفقدو مالا ولا عدة.
[٦] في ب «النزوع».
[٧] في أ«فاجزلناهم العطاء».
[٨] في ه «أن قدر ولينا».
[٩] في ه «والفرضة».
[١٠] في ه «حين يفرق».
[١١] وعثاء السفر : مشقته وتعبه.