نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٧٤ - كتاب من ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية
فخذه مع بداد سرجه [١] ، وكان وقت الزوال ، وهبت ريح النصر ، فأنزل الله سكينته على المسلمين ، ونصر دينه القويم ، وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه ، فأخرجوهم عن محلتهم ، فولوا ظهورهم ، وأعطوا أعناقهم ، والسيوف تصفعهم ، والرماح تطعنهم ، إلى أن لحقوا ربوة لجؤوا إليها واعتصموا بها ، وأحدقت بهم الخيل ، فلما أظلم الليل انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة ، وأفتلوا بعد ما تشبثت [٢] بهم أظفار المنية ، واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الآلات والسلاح والمضارب والأواني وغير ذلك ، وأمر ابن عباد بضم رؤوس قتلى المشركين ، فاجتمع من ذلك تل عظيم ، انتهى ، وبعضه بالمعنى.
رجع إلى كلام صاحب «الروض المعطار» قال [٣] : ولجأ الأذفونش إلى تل كان يلي محلته في نحو خمسمائة فارس كل واحد منهم مكلوم ، وأباد القتل والأسر من عداهم من أصحابهم ، وعمل المسلمون من رؤوسهم مآذن يؤذنون عليها [٤] ، والمخذول ينظر إلى موضع الوقيعة ومكان الهزيمة فلا يرى إلا نكالا محيطا به وبأصحابه ، وأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه ، وهنأه ، وشكره ، وأثنى عليه ، وشكر يوسف صبر ابن عباد ، ومقامه ، وحسن بلائه ، وجميل صبره ، وسأله عن حاله عندما أسلمته رجاله بانهزامهم عنه ، فقال له : هم هؤلاء قد حضروا بين يديك فليخبروك.
وكتب ابن عباد إلى ابنه بإشبيلية كتابا مضمونه : كتابي هذا من المحلة المنصورية يوم الجمعة الموفي عشرين من رجب ، وقد أعز الله الدين ، ونصر المسلمين ، وفتح لهم الفتح المبين ، وهزم الكفرة المشركين [٥] ، وأذاقهم العذاب الأليم ، والخطب الجسيم ، فالحمد لله على ما يسره وسنّاه من هذه المسرة العظيمة ، والنعمة الجسيمة ، في تشتيت شمل الأذفونش ، والاحتواء على جميع عساكره ، أصلاه الله نكال الجحيم! ولا أعدمه الوبال العظيم المليم! بعد إتيان النّهب على محلاته ، واستئصال القتل في جميع أبطاله وحماته ، حتى اتخذ المسلمون من هاماتهم صوامع يؤذنون عليها ، فلله الحمد على جميل صنعه [٦] ، ولم يصبني والحمد لله إلا جراحات يسيرة ألمت لكنها فرجت بعد ذلك ، فلله الحمد والمنة ، والسلام.
واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس ، مثل ابن رميلة صاحب الرؤيا المذكورة ، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي ، وغير هما ، رحمهم الله تعالى!.
[١] في ه «ونفذ فخدّه مع بداد سرجه».
[٢] وفي وفيات الأعيان «نشبت فيهم».
[٣] الروض المعطار ص ٩٣.
[٤] في الروض «صوامع يؤذنون عليها».
[٥] في ب ، ه «وهزم الكفرة والمشركين».
[٦] في أ، ج «جميع صنعه».