نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٣ - كتب دارت بين ملوك الأندلس وابن تاشفين
وتنهب ، وربما يقع بينهم صلح على شيء معلوم كل سنة يأخذونه من المسلمين ، والفرنج ترهب ملك المغرب يوسف بن تاشفين ، إذ كان له اسم كبير وصيت عظيم ، لنفاذ أمره وسرعة تملكه بلاد المغرب ، وانتقال الأمر إليه في أسرع وقت ، مع ما ظهر لأبطال الملثّمين ومشايخ صنهاجة في المعارك من ضربات السيوف التي تقدّ الفارس ، والطعنات التي تنظم الكلى ، فكان له بسبب ذلك ناموس ورعب في قلوب المنتدبين لقتاله ، وكان ملوك الأندلس يفيؤون إلى ظله ، ويحذرونه خوفا على ملكهم ، مهما عبر إليهم وعاين بلادهم ، فلما رأوا ما دلهم على عبوره إليهم وعلموا ذلك ، راسل بعضهم بعضا يستنجدون آراءهم في أمره ، وكان مفزعهم [١] في ذلك إلى المعتمد ابن عباد ، لأنه أشجع القوم ، وأكبر هم مملكة ، فوقع اتفاقهم على مكاتبته لما تحققوا أنه يقصدهم يسألونه الإعراض عنهم ، وأنهم تحت طاعته ، فكتب عنهم كاتب من أهل الأندلس كتابا ، وهو : أما بعد فإنك إن أعرضت عنا نسبت إلى كرم ، ولم تنسب إلى عجز ، وإن أجبنا داعيك نسبنا إلى عقل ، ولم ننسب إلى وهن [٢] ، وقد اخترنا لأنفسنا أجمل نسبتينا ، فاختر لنفسك أكرم نسبتيك ، فإنك بالمحل الذي لا يجب أن تسبق فيه إلى مكرمة ، وإن في استبقائك ذوي البيوت ما شئت من دوام لأمرك وثبوت ، والسلام ، فلما وصله الكتاب مع تحف وهدايا ، وكان يوسف بن تاشفين لا يعرف باللسان العربي ، لكنه ذكي الطبع ، يجيد فهم المقاصد وكان له كاتب يعرف اللغتين العربية والمرابطية ، فقال له : أيها الملك ، هذا الكتاب من ملوك الأندلس يعظمونك فيه ، ويعرفونك أنهم أهل دعوتك ، وتحت طاعتك ، ويلتمسون منك أن لا تجعلهم في منزلة الأعادي ، فإنهم مسلمون وذوو بيوتات ، فلا تغير بهم ، وكفى بهم من وراءهم من الأعادي الكفار ، وبلدهم ضيق لا يحتمل العساكر ، فأعرض عنهم إعراضك عمن أطاعك من أهل المغرب [٣] ، فقال يوسف بن تاشفين لكاتبه : فما ترى أنت؟ فقال : أيها الملك أعلم أن تاج الملك وبهجته شاهده الذي لا يرد ، فإنه خلق بما حصل في يده من الملك والمال أن يعفو إذا استعفى [٤] ، وأن يهب إذا استوهب ، وكلما وهب جليلا جزيلا كان لقدره أعظم ، فإذا عظم قدره تأصل ملكه ، وإذا تأصل ملكه تشرف الناس بطاعته ، وإذا كانت طاعته شرفا جاءه الناس ، ولم يتجشم المشقة إليهم [٥] ، وكان وارث الملك من غير
[١] مفزعهم إليه : أي فزعهم ورجوعهم إليه.
[٢] الوهن : الضعف.
[٣] في ب ، ه «من أهل الغرب».
[٤] استعفى : طلب منه العفو.
[٥] تجشم المشقة : تكلفها.