نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٨ - ثورة عبد الجبار بن المعتمد بن عباد
| فأسرح لا شملي صديع ولا الحشا | وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل | |
| هنيئا لها إذ لم يفرّق جميعها | ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل [١] | |
| وإذ لم تبت مثلي تطير قلوبها | إذا اهتزّ باب السجن أو صلصل القفل | |
| وما ذاك ممّا يعتريه ، وإنما | وصفت التي في جبلة الخلق من قبل | |
| لنفسي إلى لقيا الحمام تشوّف | سواي يحبّ العيش في ساقه حجل [٢] | |
| ألا عصم الله القطا في فراخها | فإنّ فراخي خانها الماء والظّلّ | |
وفي هذه الحالة زاره الأديب أبو بكر بن اللّبّانة ، وهو أحد شعراء دولته المرتضين دررها ، المنتجعين دررها ، وكان المعتمد رحمه الله تعالى يميزه بالشفوف والإحسان ، ويجوّزه على فرسان هذا الشأن ، فلمّا رآه وحلقات الكبل قد عضّت بساقيه عضّ الأسود ، والتوت عليه التواء الأساود السود ، وهو لا يطيق إعمال قدم ، ولا يريق دمعا إلّا ممزوجا بدم ، بعد ما عهده فوق منبر وسرير ، ووسط جنّة وحرير ، وتخفق عليه الألوية ، وتشرق منه الأندية ، وتكف الأمطار من راحته ، وتشرف الأقدار [٣] بحلول ساحته ، ويرتاع الدهر من أوامره ونواهيه ، ويقصر النّسر أن يقارنه أو يضاهيه ، ندبه بكل مقال يلهب الأكباد ، ويثير فيها لوعة الحارث بن عبّاد [٤] ، أبدع من أناشيد معبد [٥] ، وأصدع للكبد من مراثي أربد [٦] ، أو بكاء ذي الرمة بالمربد [٧] ، سلك فيها للاحتفاء طريقا لاحبا ، وغدا فيها لذيول الوفاء ساحبا ، فمن ذلك قوله : [البسيط]
| انفض يديك من الدنيا وساكنها | فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا | |
| وقل لعالمها السفليّ قد كتمت | سريرة العالم العلويّ أغمات | |
| طوت مظلّتها لا بل مذلّتها | من لم تزل فوقه للعزّ رايات |
[١] في ب ، ه : «هنيئا لها أن لم يفرق جميعها».
[٢] في ب : «في ساقه كبل».
[٣] في ه : «وتشرق الأقدار».
[٤] الحارث بن عباد : هو فارس النعامة الذي اعتزل حرب البسوس إلى أن قتل المهلهل ابنه فاستشاط غضبا واقتحم الحرب.
[٥] معبد : مغنّ مشهور.
[٦] أربد : أخو لبيد بن ربيعة. اجتاحته صاعقة فبكاه لبيد في مرات كثيرة.
[٧] المربد : مكان بالبصرة كان الشعراء ينشدون فيه أشعارهم.