نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٣ - حديث آخر عن المعتمد
غلالته ، وعصمه الله تعالى منه ، وصبّ هو سيفه على عاتق الفارس ، فشقّه إلى أضلاعه ، فخرّ صريعا سريعا ، فرأيت القائمين عندما تسنموا الأسوار تساقطوا منها ، وبعد ما أمسكوا الأبواب تخلّوا عنها ، وأخذوا على غير طريق ، وهوت بهم ريح الهيبة في مكان سحيق ، فظننّا أنّ البلد من أقذائه قد صفا ، وثوب العصمة عليه قد ضفا ، إلى أن كان يوم الأحد الحادي والعشرون من رجب فعظم الخطب في الأمر الواقع [١] ، واتّسع الخرق فيه على الراقع ، ودخل البلد من جهة واديه ، وأصيب حاضره بعادية باديه ، بعد أن ظهر من دفاع المعتمد وبأسه ، وتراميه على الموت بنفسه ، ما لا مزيد عليه ، ولا انتهى خلق إليه ، فشنّت الغارة في البلد ، ولم يبق فيه على سبد لأحد ولا لبد ، وخرج الناس من منازلهم ، يسترون عوراتهم بأناملهم ، وكشفت وجوه المخدّرات العذارى ، ورأيت الناس سكارى ، وما هم بسكارى ، ورحل بالمعتمد وآله ، بعد استئصال جميع ماله ، لم يصحب معه بلغة زاد ، ولا بغية مراد ، فأمضيت عزيمتي في اتّباعه ، فوصلت إليه بأغمات عقب ثقاف استنقذه الله منه ، فذكرت به شعرا كان لي في صديق اتّفق له مثل ذلك في الشهر بعينه من العام الماضي ، وهو الأمير أبو عبد الله بن الصفار ، وهو : [الخفيف]
| لم تقل في الثقاف كان ثقافا | كنت قلبا به وكان شغافا [٢] | |
| يمكث الزهر في الكمام ولكن | بعد مكث الكمام يدنو قطافا | |
| وإذا ما الهلال غاب لغيم | لم يكن ذلك المغيب انكسافا [٣] | |
| إنما أنت درّة للمعالي | ركّب الدهر فوقها أصدافا | |
| حجب البيت منك شخصا كريما | مثل ما تحجب الدنان السلافا [٤] | |
| أنت للفضل كعبة ولو اني | كنت أسطيع لا ستطعت الطوافا |
قال أبو بكر : وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذّ من غفلات الرقيب ، وأشهى من رشفات الحبيب ، وأدلّ على السماح ، من فجر على صباح ، انتهى.
ثم قال : ولمّا خلع المعتمد وذهب إلى أغمات طلب من حواء بنت تاشفين خباء عارية ، فاعتذرت بأنه ليس عندها خباء ، فقال : [المتقارب]
[١] في ب ، ه : «معظم الأمر في الخطب الواقع».
[٢] في ب : «ولم نقل في الثقاف كان ثقافا». وفي ه : «لم أقل في الثقاف كان ثقافا».
[٣] في ب ، ه : «وإذا ما الهلال غاب بغيم».
[٤] الدنان : براميل الخمر. والسلاف : الخمر.