نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١١١ - أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي
أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي ، قال قريبه أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد في «المغرب» [١] : سمعت أبي يقول : لا أعلم في بني سعيد أشعر منه ، بل لا أعلم في بلده ، وعشق حفصة شاعرة الأندلس ، وكانا يتجاوبان تجاوب الحمام ، ولمّا استبدّ والده بأمر القلعة حين ثار أهل الأندلس بسبب صولة بني عبد المؤمن على الملثّمين اتخذه وزيرا ، واستنابه في أموره ، فلم يصبر على ذلك ، واستعفى ، فلم يعفه ، وقال : أفي مثل هذا الوقت الشديد تركن إلى الراحة؟ فكتب إليه : [المجتث]
| مولاي ، في أي وقت | أنال في العيش راحه | |
| إن لم أنلها وعمري | ما إن أنار صباحه | |
| وللملاح عيون | تميل نحو الملاحه | |
| وكأس راحي ما إن | تملّ منّي راحه | |
| والخطب عنّي أعمى | لم يقترب لي ساحه | |
| وأنت دوني سور | من العلا والرجاحه | |
| فأعفني وأقلني | ممّا رأيت صلاحه | |
| ما في الوزارة حظّ | لمن يريد ارتياحه | |
| كلّ وقال وقيل | مما يطيل نباحه [٢] | |
| أنسي أتى مستغيثا | فاترك فديت سراحه |
فلمّا قرأ الأبيات قال : لا ينفع الله بما لا يكون مركّبا في الطبع مائلة له النفس ، ثم وقّع على ظهر ورقته : قد تركنا سراح أنسك ، وألحقنا يومك بأمسك. ولمّا رجع ثوار الأندلس إلى عبد المؤمن وبايعه عبد الملك بن سعيد فغمره إحسانا وبراّ ، وولي السيد أبو سعيد بن عبد المؤمن غرناطة طلب كاتبا من أهلها ، فوصف له فضل أبي جعفر وحسبه وأدبه ، فاستكتبه ، فطلب أن يعفيه ، فأبى إلى أن شرب أبو جعفر يوما مع بعض [٣] خواصّه ، وخرج ثاني يوم إلى الصيد وكان اليوم ذا غيم وبرد ، ولمّا اشتدّ البرد مالوا إلى خيمة ناطور [٤] ، وجعلوا يصطلون ويشربون على ما اصطادوا ، فحمل أبا جعفر بقيّة السكر على أن قال يصف يومه ، ويستطرد بما في نفسه : [الطويل]
| ويوم تجلّى الأفق فيه بعنبر | من الغيم لذنا فيه باللهو والقنص |
[١] انظر المغرب ج ٢ ص ١٦٤.
[٢] في ب ، ه : «ممن يطيل بناحه».
[٣] كلمة «بعض» ساقطة من ب.
[٤] الناطور : حارس البستان والقيم عليه.