أمراء الكوفة وحكامها - محمّد علي آل خليفة - الصفحة ٢٥٤ - ٢٥ ـ عبد الملك بن مروان
أعرفنكم بعد الموعظة تزدادون جرأة فإنّي لا ازداد بعدها إلّا عقوبة ، وما مثلي ومثلكم ، إلا كما قال أبو قيس الأسلت [١] :
| من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة | يصل بنار كريم غير غدّار | |
| أنا النذير لكم مني مجاهرة | لي لا ألام على نهيي وأعذار | |
| فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا | أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار | |
| وصاحب الوتر ليس الدهر ومدركه | عندي وإنّي لطلّاب لأوتار | |
| أقيم عوجته إن كان ذا عوج | كما يقوم قدح النبعة الباري | |
ثمّ بعد ذلك دخل عبد الملك إلى الكوفة ، وتمّت له البيعة فعيّن الولاة (الأمراء) وأعطى الهدايا لمن واعدهم بذلك وعيّن (قطن بن عبد الله الحارثي) [٢] أميرا على الكوفة ثمّ عزله ، وولّى مكانه اخاه (بشر بن مروان).
ثم صعد عبد الملك بن مروان منبر الكوفة فقال : (إنّ عبد الله بن الزبير لو كان خليفة كما يزعم لخرج فآسى بنفسه ، ولم يغرس ذنبه في الحرم) [٣]. ثمّ قال : (إنّي قد استعملت عليكم بشر بن مروان وأمرته بالإحسان إلى أهل الطاعة ، والشدّة على أهل المعصية ، فاسمعوا له وأطيعوا) [٤]. وعن عبد الملك ابن عمير بن سويد أنّه قال : (كنت عند عبد الملك بن مروان بقصر الإمارة ، حين جيء برأس مصعب بن الزبير فوضع بين يديه ، فرآني عبد الملك بوضع مرعب ، فقال لي : ماذا بك؟! فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ، فقد كنت بهذا القصر وبهذا المكان مع عبيد الله بن زياد فرأيت رأس الحسين ابن عليّ بن أبي طالب بين يديه ، ثمّ رأيت رأس عبيد الله بن زياد قد جيء
[١] أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني ج ١٧ / ١٣١.
[٢] ولم تدم امرة قطن الحارثي على الكوفة سوى اربعين يوما (عرس واوية) كما يقول المثل العامي.
[٣] الحرم : بيت الله الحرام (الكعبة).
[٤] تاريخ الطبري ج ٦ / ١٦٤.