التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٠ - تواتر القرآن
الامام البلاغى هو الحكم الفصل فى هذا المضمار، و سوف نبنى عليه اختيارنا فى هذا المجال. قدس اللّه نفسه الشريفة.
و يدلك- ايضا- على تواتر النص الموجود، من غير ان يؤثر عليه شىء من اختلاف القراءات: تلك المخالفات فى رسم الخط و ربما كتبت وفق قراءة العامة و ثبتت رغم تقلبات الدهور و مر العصور، فلم تغيرها قراءة قارئ او ريشة قلم كاتب.
من ذلك قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ- البقرة ٢٥٩- الهاء زائدة للوقف. كتبت و قرئت هكذا منذ العهد الاول و ثبتت على مر الدهور، قال عبد اللّه بن هانئ البربرى- مولى عثمان- كنت عند عثمان و هم يعرضون المصاحف، فارسلنى يكتف شاة الى ابى بن كعب فيها:
«لم يتسن». و فيها: «لا تبديل للخلق اللّه» و فيها: «فأمهل الكافرين».
فدعا بدواة فمحى اللامين و كتب «لخلق اللّه». و محى «فأمهل» و كتب «فمهل». و كتب «لم يتسنه» فألحق فيها الهاء[١].
و لو لا انه السماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لم يكتبها ابى بالهاء، كما ان اختلاف القراء فيما بعد، و تطور الكتابة و الخط، كليهما لم يؤثرا على تغيير الكلمة عما كتبها الاوائل و قرأها السلف و من ورائهم عامة المسلمين عبر الاجيال.
و كذلك بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ- الفتح: ١٠- و وَ ما أَنْسانِيهُ- الكهف: ٦٥- بضم هاء الضمير فى هذين الموضعين فحسب دون ما سواهما من القرآن[٢] لا لعلة مفهومة لنا، و لو لا انه المأثور خلفا عن سلف لم يكن ما يدعو الى التزام المسلمين به طول التاريخ.
و مثله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ- العلق: ١٨- باسقاط الواو فى جميع المصاحف قديما و حديثا. و قوله: أَكْرَمَنِ و أَهانَنِ- الفجر: ١٥
[١] الاتقان ج ١ ص ١٨٣. و راجع: الجزء الاول ص ٢٩٦.
[٢] راجع: الكشف ج ٢ ص ٦٦.