التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١ - ٨ - شذوذ نفسى
العام ٣٢٤.[١] و اذا كنا نراجع تراجم اكثرية القارئين بالشذوذ، نجدهم أناسا فضلاء علماء، أساءت الظروف بمنزلتهم العلمية، فنبذتهم وراء الظهور، و قدمت غير الاكفاء، و من ثم كانت عقد نفسية و شذوذ و انحرافات عن المسير العام.
و ايضا- فان اكثرية القراءات المرمية بالشذوذ، لم تكن شاذة بمعناها الحقيقى و انما رميت بالشذوذ لانها خلاف معهود العامة، و خلاف ما يعرفه شيوخ الاقراء، فى الامصار، ممن حازوا مناصب رسمية، و غالبيتهم قليلو الرحلة، قصيروا الباع، فى العلم وسعة الاطلاع.
انظر الى ما يتأسفه الامام بدر الدين- نقلا عن اثير الدين ابى حيان- من قصر الهمم فى طلب العلم، و الرحلة فى الاخذ و تلقى القراءة من الشيوخ، و من ثم اقتصارهم على ما فى التيسير و الشاطبية و التبصرة و الكافى و نحوها، فى حين ان هذه الكتب لم تحو حتى جميع القراءات المأثورة عن السبعة، فكيف بغيرها. و انما هى قل من كثر و نزر من بحر[٢].
و من ثم كان بعض مشايخ الاقراء- بين آونة و اخرى- يجيزون القراءة المرمية بالشذوذ، اذا كانت عليها مسحة من الصحة المعتبرة.
من ذلك ما وقع اخيرا (عام ١٣٧٧ ه) فى مصر. فقد اجاز شيخان من مشايخ الاقراء- لحسن نيتهما- القراءة بالشواذ من ذوات الأصالة السلفية. غير ان الرأى العام و فى مقدمتهم مشيخة الازهر، قام فى وجههما، فاضطرا الى التوبة. و حكم عليهما بنفى البلد لمدة عام، و لم تنفع بشأنهما شفاعة الشافعين[٣].
هذا، و لنا فى جواز القراءة بالشاذ مذهب آخر: لا نجيز فى القرآن غير قراءة واحدة- لا السبعة و لا العشرة و لا غيرها- و سنتكلم عنها فى
[١] معرفة القراء الكبار، الذهبى، ج ١ ص ٢٢١- ٢٢٥.
[٢] راجع البرهان ج ١ ص ٣٢٣- ٣٢٥.
[٣] المصحف المرتل ص ٣٠١.