التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٤ - شبهات حول النسخ فى القرآن
شبهات حول النسخ فى القرآن
و قبل ان ننتقل الى عرض آيات وقع فيها النسخ او قيل فيها بالنسخ، يجب ان نتعرض الى شبهات اوردها ناكروا النسخ، فزعموا عدم امكان النسخ فى شريعة اللّه، و بالتالى عدم وقوعه فى القرآن، و هى شبهات متنوعة و مختلفة المستوى، غير انا نذكر- هنا- منها الاهم:
(الاولى): ان النسخ فى التشريع كالبداء فى التكوين مستحيل بشأنه تعالى، لانهما عبارة عن نشأة رأى جديد، و عثور على مصلحة كانت خافية فى بدء الامر. و الحال ان علمه تعالى ازلى، لا يتبدل له رأى و لا يتجدد له علم. فلا يعقل وقوفه تعالى على خطاء فى تشريع قديم لينسخه بتشريع جديد.
(الجواب): ان النسخ كالبداء ليس على معناه الحقيقى، الذى هو عبارة عن نشأة رأى جديد و انما هو ظهور للناس بعد خفاء عليهم، لمصلحة فى هذا الاخفاء فى بدء الامر، حسبما تقدم تحقيقه.
فالشارع تعالى يشرع حكما يكون بظاهره الدوام و الاستمرار، حسبما الفه الناس من دوام الاحكام المطلقة، لكنه فى الواقع كان من الاول محدودا بأمد معلوم لديه تعالى، و لم يظهره للناس الا بعد انتهاء الامد المذكور. لمصلحة فى ذلك الاخفاء و فى هذا الاظهار المتأخر.
و لعل معترضا يقول: لما ذا كان تحديد فى الاحكام، فاذا كانت فى اصل تشريع الحكم مصلحة فلتقتض الدوام، و ان لم تكن مصلحة فلا مقتضى لاصل التشريع.
قلنا: ان المصالح تختلف حسب الظروف و الاحوال. كوصفات طبيب حاذق تختلف حسب اعتوار احوال المريض و اختلاف بيئته و المحيط الذى يعيش فيه، فرب مصلحة تستدعى تشريعا متناسبا مع بيئة خاصة و فى مستوى خاص، فاذا تغيرت الواقعية فان المصلحة