التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩ - ٨ - شذوذ نفسى
٨- شذوذ نفسى
: قالوا: و من عوامل اختيار القراءة الشاذة ما يرجع الى علل روحية، يروم اصحابها الاشتهار بمخالفة المشهور. او عقد نفسية تنفجر فى وجه الاعراف التقليدية، فتتمثل فى قالب الاختيارات الشاذة.
كان محمد بن الحسن، ابن مقسم، ابو بكر العطار، المقرى النحوى (٢٦٥- ٣٥٥) تروقه القراءة بحروف تخالف الاجماع، فكان يقرأ- لعل لا ترجع الى النقل و لا الاخذ من الشيوخ- فى كثير من الآيات ما يخالف القراءة المشهورة مادة، و ان وافقت رسم المصحف خطا. كقراءته: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (يوسف: ٨٠) قرأ «نجبا» جمع «نجيب». و شاع امره فاحضره السلطان و استتابه فاذن بالتوبة و كتب محضرا بتوبته. و قيل انه لم ينزع عنها، و كان يقرأ بها الى ان مات.
قال الدانى: كان عالما بالعربية، حافظا للغة، حسن التصنيف، مشهورا بالضبط و الاتقان، الا انه سلك مسلك ابن شنبوذ، فاختار حروفا خالف فيها ائمة العامة، و كان يذهب الى ان كل قراءة توافق خط المصحف فالقراءة بها جائزة و ان لم تكن لها مادة[١].
و كان محمد بن الحسن، ابو الحسن، ابن شنبوذ (ت ٣٢٨) شيخ الاقراء مع ابى بكر ابن مجاهد (ت ٣٢٤). و كان ابن شنبوذ اعلم منه و اوسع اطلاعا بالقراءات و بفنونها و انواعها. جاب البلاد و طاف الامصار فى طلب العلم و السماع من الشيوخ على خلاف زميله الذى تصدر مقام «شيخ القراء» من قبل السلطان فى بغداد، و كان قليل الاطلاع، لم يخرج فى طلب العلم، و لم تكن له خبرة بفنون القراءات القديمة و الحديثة (البرهان ج ١ ص ٣٢٧).
و من ثم كان بين ابن شنبوذ و ابن مجاهد تنافس على عادة الاقران، و كان ابن شنبوذ يحط من ابن مجاهد، و يقول: هذا العطشى،
[١] بغية الوعاة ص ٣٦. و معرفة القراء ج ١ ص ٢٤٦.