التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١ - ١ - تصريحات ائمة الفن
القراءات المشهورة، اما ان تكون منقولة بالنقل المتواتر او لا تكون، فان كان الاول، فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر ان اللّه قد خير المكلفين بين هذه القراءات و سوى بينها فى الجواز، و ان كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فوجب ان يكون الذاهبون الى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق ان لم يلزمهم التكفير.
لكنا نرى ان كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة، و يحمل الناس عليها و يمنعهم عن غيرها، فوجب ان يلزم فى حقهم ما ذكرنا.
و اما ان قلنا: ان هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم و القطع و اليقين، و ذلك باطل بالاجماع. و لقائل ان يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر، و لا خلاف بين الامة فيه، و تجويز القراءة بكل واحدة منها، و بعضها من باب الآحاد، و كون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضى خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا، و اللّه اعلم»[١].
قلت: قد اشتبه عليه تواتر القرآن بتواتر القراءات، و من ثم وقع فى المأزق الاخير، و سنبين ان القرآن شىء و القراءات شىء آخر، فلا موقع للشق الاخير من الاشكال.
و قال «الحجة البلاغى»: «و ان القراءات السبع- فضلا عن العشر- انما هى فى صورة بعض الكلمات، لا بزيادة كلمة او نقصها، و مع ذلك ما هى الا روايات آحاد عن آحاد، لا توجب اطمئنانا و لا وثوقا، فضلا عن وهنها بالتعارض، و مخالفتها للرسم المتداول، المتواتر بين عامة المسلمين فى السنين المتطاولة. و ان كلا من القراء و هو واحد- لم تثبت عدالته و لا وثاقته- يروى عن آحاد، و يروى عنه آحاد
[١] التفسير الكبير ج ١ ص ٦٣.