التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٦ - الفرق بين النسخ و البداء
ذلك من مصالح يراها المولى الحكيم.
و عليه فالتعبير عن هذه الظاهرة الدينية بالنسخ تعبير ظاهرى حسب ما كان يزعمه الناس، حيث فهموا من اطلاق التشريع السابق بقاءه و استمراره، و بعد ان جاء بيان الامد متأخرا مصحوبا بتشريع لاحق، حسبوه نسخا واقعيا للتشريع القديم. لما لمسوا من خواص النسخ فيه. و هذه استعارة فى التعبير و ليس من الحقيقة فى شىء.
الفرق بين النسخ و البداء
اذا كان النسخ فى التشريع- بمعنى نشأة رأى جديد- مستحيلا بحقه تعالى، فهكذا البداء فى التكوين- بنفس المعنى- مستحيل بشأنه تعالى، على حد سواء.
اذ لا فرق بين النسخ و البداء، سوى ان الاول خاص بالتشريعيات- اصطلاحا- و الثانى بالتكوينيات. فان كلا منهما فى مفهومهما الاصلى- و هو تبدل الرأى- ممتنع بالقياس الى علمه تعالى الازلى المحيط، بلا فرق.
اذن فكما ان النسخ انما كان بمعناه الظاهرى مستعملا فى الشريعة، و هو ظهور الشيء بعد خفاه على الناس، فكذلك البداء، ظهور امر بعد خفاء. سوى ان الاول ظهور أمد حكم كان معلوما عند اللّه خافيا على الناس، و الثانى ظهور أمر او اجل كان محتما عنده تعالى من الازل، و خافيا على الناس ثم بدا لهم اى ظهرت لهم الحقيقة.
و الخلاصة: ان للبداء فى التكوين- كالنسخ فى التشريع- معنيين، يكون باحدهما مستحيلا بشأنه تعالى، و جائزا بالمعنى الآخر.
و بذلك يفسر قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ- الرعد: ٣٢-[١] و غيرها من الآيات.
[١] راجع: تفسير ابن كثير ج ٢ ص ٥١٩. و البحار للعلامة المجلسى ج ٤ ص ٩٢- ١٣٤.