التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - شروط النسخ
و هكذا الاباحة الاصلية ترتفع بحدوث التشريع من غير ان يكون ذلك نسخا، حيث تلك الاباحة لم تكن بتشريع، و انما كانت بحكم العقل الفطرى (البراءة العقلية) موضوعها: عدم التشريع فترتفع بالتشريع.
فقوله: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ[١] لا يصلح ناسخا لقوله: وَ ما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ[٢] لان جواز القعود قبل نزول آية النساء لم يكن مستفادا من آية الانعام، بل كان وفق الاباحة الاصلية، و نزلت آية الانعام دفعا لتوهم الحظر، حيث كان النهى خاصا بالنبى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتوهم المسلمون شموله للمؤمنين ايضا[٣].
خامسا: التحفظ على نفس الموضوع، اذ عند ما يتبدل موضوع حكم الى غيره، فان الحكم يتغير لا محالة، حيث الحكم قيد موضوعه.
و ليس هذا نسخا. فمثل قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا ...
لا يصلح ناسخا لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى ...[٤]. لان الذى يبين غير الذى يكتم[٥] و هكذا كل استثناء او تخصيص ورد على حكم عام، فقد زعموهما نسخا على خلاف المصطلح- فيما سيأتى.
و من هذا الباب ما اذا طرأ عنوان ثانوى يختلف حكمه عن العنوان الذاتى الاولى، كالاضطرار و الحرج و التقية، تعرض شيئا فتجعله جائزا بعد ان كان بعنوانه الذاتى حراما مثلا، كالخمر تحل اذا اضطر الى شربها، و هذا لا يسمى نسخا فى الاصطلاح، نظرا لان
[١] سورة النساء: ١٤٠.
[٢] سورة الانعام: ٦٩.
[٣] راجع: قائمة المنسوخات برقم ٦٥ ص ٣٤٦.
[٤] سورة البقرة: ١٥٩.
[٥] راجع: ابن حزم- بهامش الجلالين ج ٢ ص ١٦٠.