التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - ١ - نسخ الحكم و التلاوة معا
و قد حاول بعض القدامى من اهل الحديث[١]، و هكذا لفيف من المحدثين غير المحققين[٢] اثبات هذا النوع من النسخ فى القرآن، بحجة مجيئه فى حديث صحيح الاسناد الى عائشة، قالت: كان فيما انزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن» ثم نسخن بخمس معلومات. قالت: و توفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هن فيما يقرأ من القرآن[٣].
قلت: هذا شىء غريب، كيف يلتزم به من لا يرى التحريف فى القرآن! اذ يرجع اثبات هذا النوع من النسخ الى القول بالتحريف، بان تكون آية ذات حكم تشريعى، و كانت تتلى حتى وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثم نسيت، و ليس ذلك سوى اسقاط آية بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله، الامر الذى تنكره جماعة المسلمين اطلاقا.
و الغريب ان الشيخ الزرقانى حاول اثباته باجماع القائلين بالنسخ من المسلمين بدليل وقوعه سمعا[٤].
غير ان المحققين من العلماء ابطلوا هذا النوع من النسخ رأسا، و حاول بعضهم تأويل الحديث، بينما الآخرون ضربوا به عرض الجدار، لانه حديث واحد يرجع الى التلاعب بالقرآن الكريم.
قال الامام الزركشى: و قد تكلموا فى قولها: «و هن مما يقرأ» فان ظاهره بقاء التلاوة، و ليس كذلك. فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة. و الاظهر ان التلاوة نسخت ايضا و لم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله فتوفى و بعض الناس يقرؤها.
قال: و حكى القاضى ابو بكر فى «الانتصار» عن قوم انكار هذا
[١] راجع الاتقان: جلال الدين السيوطى، ج ٣ ص ٦٣.
[٢] راجع: مناهل العرفان عبد العظيم الزرقانى، ج ٢ ص ٢١٤.
[٣] راجع: صحيح مسلم ج ٤ ص ١٦٧. و سنن الترمذى ج ٣ ص ٤٥٦.
[٤] المناهل ج ٢ ص ٢١٤.