التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم
منسوخة التلاوة باقية الحكم[١].
هذا ... و لكن جل علماء اهل السنة بما فيهم من فقهاء كبار و ائمة محققين، التزموا بهذا القول المستند الى لفيف من اخبار آحاد زعموها صحيحة الاسناد، و هذا ايثار لكرامة القرآن على حساب روايات لا حجية فيها فى هذا المجال، و ان فرضت صحيحة الاسناد فى مصطلحهم، اذ صحة السند انما تجدى فى فروع مسائل فقهية، لا اذا كانت تمس كرامة القرآن و تمهد السبيل لادخال الشكوك على كتاب المسلمين.
هذا الامام السرخسى- المحقق الاصولى الفقيه- بينما شدد النكير على القائل بالنسخ من النوع الاول، اذا هو يلتزم به فى هذا النوع، فى حين عدم فرق بينهما فيما ذكره من استدلال لبطلان الاول.
قال: و اما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا:
ان صوم كفارة اليمين ثلاثة ايام متتابعة، بقراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة ايام متتابعات». و قد كانت هذه قراءة مشهورة الى زمن ابى حنيفة، و لكن لم يوجد فيها النقل المتواتر الذى يثبت بمثله القرآن، و ابن مسعود لا يشك فى عدالته و اتقانه، فلا وجه لذلك الا ان نقول: كان ذلك مما يتلى فى القرآن- كما حفظه ابن مسعود- ثم انتسخت تلاوته فى حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بصرف القلوب عن حفظها الا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله، فان خبر الواحد موجب للعمل به، و قراءته لا تكون دون روايته، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق[٢].
[١] البيان ص ٣٠٤.
[٢] اصول السرخسى ج ٢ ص ٨١.