التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٨ - تواتر القرآن
ذكرت ذلك لأبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤)- اى القراءة المعزوة الى عائشة- فقال: قد سمعت هذا قبل ان تولد- خطابا الى هارون- و لكنا لا نأخذ به. و فى رواية اخرى قال ابو عمرو: انى أتهم الواحد الشاذ اذا كان على خلاف ما جاءت به العامة[١].
فقد جعل ابو عمرو من «رواية العامة» مقياسا لمعرفة القراءة الصحيحة الجائزة، و اما غيرها فمردود و غير جائز الاخذ اطلاقا.
و قال محمد بن صالح (ت ١٦٨): سمعت رجلا يقول لأبي عمرو ابن العلاء: كيف تقرأ «لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد»؟ فقال:
«لا يعذب» بالكسر[٢] فقال له الرجل: كيف؟ و قد جاء عن النبى صلّى اللّه عليه و آله «لا يعذب» بالفتح! فقال له ابو عمرو: لو سمعت الرجل الذى قال: سمعت النبى- صلّى اللّه عليه و آله- ما أخذت عنه أو تدرى ما ذاك؟ لانى أتهم الواحد الشاذ اذا كان على خلاف ما جاءت به العامة»[٣].
هذه الرواية كسابقتها فى جعل «ما جاءت به العامة» معيارا لمعرفة القراءة الصحيحة عن الشاذة.
و قال ابن قتيبة (ت ٢٧٦): «كل ما كان من القراءات موافقا لمصحفنا، غير خارج من رسم كتابه، جاز لنا ان نقرأ به. و ليس لنا ذلك فيما خالفه. لان المتقدمين من الصحابة و التابعين قرءوا بلغاتهم، و جروا على عادتهم، و خلوا أنفسهم و سوم طبائعهم، فكان ذلك جائزا لهم، و لقوم من القراء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، فاما نحن- معشر المتكلفين- فقد جمعنا اللّه بحسن اختيار السلف لنا على
[١] المرشد الوجيز ص ١٨١.
[٢] هى القراءة المشهورة. الفجر: ٢٦.
[٣] مناهل العرفان ج ١ ص ٤٥٢ نقلا عن منجد المقرئين لابن الجزرى.