الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٣٢ - الجواب العام عما ورد في القرآن من نسبة المعاصي إلى الأنبياء
وإنّ (آدم) عليه السلام كان نهيه عن أكل الشجرة نهي تنزيه وكمال، ومعصيته عبارة عن تفويت ما هو الأولى له من الترقّي في مراتب القرب ومنازل القدس ومحالّ الكرامة، لا أنّه فعل مبغوضاً للَّهفي ذاته قبيحاً في حدّ نفسه.
وذاك أنّ اللَّه (جلّت ألطافه) أحبّ (لآدم) أن يعافى من دار المحنة والبلاء والتكليف، ويُمتّع في دار الراحة والخلد والنعيم، فاختار (آدم) لنفسه غير ما أحبّه اللَّه له، وترك الأولى به والأكمل له، فوكّله اللَّه إلى عمله وما اختاره لنفسه، وخشي (آدم) أن يكون قد غضب اللَّه عليه وقضى أن يخلّده في دار المحنة ولا يعيده إلى دار النعيم، فبكى على خطيئته حتّى تلقّى تلك الكلمات التي تاب بها اللَّه عنه، وغفرله تلك الزلّة، وأعاده إلى دار قراره ونعيم جواره.
ولكنّه (غوى)، وما أكثر ما استعملت الغواية بمعنى: الخيبة[١]، فإنّه خاب من الرقي إلى المقام الذي كان قد أُعدّ له، ولم يجد اللَّه له عزماً وثباتاً على ما يرشده إليه ويدلّه عليه من المصالح غير الراجعة إلى التكليف والأمر المحتم.
وهذا معنىً لو لم يكن ظاهراً من الآية نفسها أو بضميمة جميع ما ورد في قصّة (آدم) من الآيات، لكان متعيّناً حمل الآية عليه.
وأقصى ما هناك ارتكاب شيء من المجازات الشائعة التي لا يخلو شيء منها من شاهد في العرف واللغة. هذا كلّه مع الإغماض عن الدليل العقلي في باب عصمة الأنبياء، فكيف والحال ما عرفت!
[١] - انظر: لسان العرب ١٠: ١٤٩، المصباح المنير ٤٥٧.