الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٢٤ - مقام البلاغة عند العرب وتأثيرها في النفوس، عود على بدء
|
وممّا شجاني أنّها يومَ أعرضت |
تولّت ودمعُ العينِ في الجفنِ حائر |
|
|
فلمّا أعادت من بعيدٍ بنظرةٍ |
إليَّ التفاتاً أسلمتهُ المحاجر[١] |
|
أو قول (البحتري) بما يقرب منه:
|
وقفنَا والعيونُ مشغّلاتٌ |
يُغالبُ دمعَها نظرٌ كليلُ |
|
|
نهتْهُ رِقبةُ الواشينَ حتّى |
تحيَّر لا يغيضُ ولا يَسيلُ[٢] |
|
أو قول القائل من الشعر الخيالي:
|
وقفنا صفوفاً في الديارِ كأنّها |
صحائفٌ ملقاةٌ ونحن سطورُها |
|
|
يقول خليلي- والظباء سوانح- |
أهذي التي تهوى؟ فقلت: نظيرُها |
|
|
وقد قلتما لي ليس في الأرض جنّة |
أما هذه فوقَ الركائبِ حورُها |
|
|
أراك الحمى قل لي بأيّ وسيلة |
توسّلت حتّى قبَّلتك ثغورُها |
|
|
على رسلكم في الهجرِ إنّا عصابةٌ |
إذا ظفرت بالحبِّ عفّ ضميرُها |
|
هذه الفرائد وما لا يحصى من أمثالها- [و] التي هي مجسمة الانسجام والرقّة واللاتي تكافأت بها المعاني والألفاظ في السلاسة والسلامة فاتّحدت وحدة الأرواح مع الأجسام والراح بماء الغمام الذي ينفذ تأثيرها في أعماق القلب ويخرق شغاف الفؤاد- من ذا يسمعها فلا يضع يده على جنانه، يتلمّسه هل زال عن موضعه وزحف من مكانه؟! من ذا ذاق جرعة من الآداب ولا يرقّ قلبه أو يذوب إذا أصغى لقول (العامري)[٣]:
[١] - هذان البيتان الجميلان لقيس بن الملوّح( مجنون ليلى)، لاحظ ديوانه ٧٧. وورد:( ودّعت) بدل:( أعرضت)، و:( ماء) بدل:( دمع).
[٢] - ديوان البحتري ١: ٢٨٣- ٢٨٤. ولكن ورد:( تعلّق) بدل:( تحيّر).
[٣] - قيس بن الملوّح بن مزاحم بن قيس بن عدي بن ربيعة العامري. وقيل في اسمه ونسبه غير ذلك، من أشهر الشعراء العذريين. كان ظريفاً جميلًا راوية للشعر حلو الحديث. علق ليلى بنت مهدي العامرية منذ زمان طفولته، وحبّها حبّاً ذهب بعقله، ويقال: إنّ قوم ليلى شكوا المجنون إلى السلطان، فأهدر دمه، ورحل قومها بها، فجاء وبقي يتمرّغ بتراب رحلها، وقيّده أبوه، فقام يضرب نفسه، فأطلقه، فهام على وجهه في الفلاة بنجد وساح حتّى حدود الشام، ووجد ميّتاً، فاحتملوه إلى الحي ودفنوه، وكثر بكاء النساء والشباب عليه، وكان في دولة يزيد وابن الزبير. وقد أنكر بعضهم قصّته، وللذهبي كلام لطيف في ردّ ذلك.
( الأغاني ٢: ٥- ٧٩، سمط اللآلي ٣٥٠، سير أعلام النبلاء ٤: ٥- ٧، خزانة الأدب ٤: ٢١٥- ٢١٨، شذرات الذهب ١: ٢٧٧- ٢٧٨).