الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٦٢ - بقية معجزات النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ودفع توهم في المقام
دونك ما تواتر من مثل قوله لعمّه وكفيله (أبي طالب) وقد اجتمعت عنده كبّار قريش قائلين له: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك عاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فانهه عنّا أو خلّ بيننا وبينه! فوعدهم جميلًا، ثمّ عادوا إليه، وقد اشتدّ غيظهم، وقالوا: إن لم تنهه نازلناه وإيّاك! فبعث إليه وأعاد كلامهم عليه، فظنّ النبي أنّ عمّه عزم على خذلانه، فشقّ عليه ذلك، وقال: «يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر»، ثمّ انصرف وهو يبكي، فناداه عمّه: قل ما أحببت، فو اللَّه لا أُسلّمك أبداً[١]
[٢].
أقول: ألا بذمّة الحقّ وحرمة الحقيقة وشرف الصدق وشهامة الإنصاف وشهادة التعقّل، أترى- يا رعاك اللَّه وهداك- أنّه ليس لهذا الأمر من واقع، وليس وراء هذه الصورة حقيقة، وأنّ هذه الشدّة والحماس والقوّة كان من محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وهو على غير يقين من أمره ولا ثقة بدينه ولا قاسر إلهي من ورائه، وأنّه بشر من سائر الناس، افترى- معاذ اللَّه- فرية على اللَّه، فصبر لها هذا الصبر، وثابر لرواجها تلك المثابرة، وكابر العالم كلّه عليها تلك المكابرة؟!
إذن ما أنصفت في الحكومة ولا تلطّفت في الفكرة، ولا تدبّرت ولا تدرّبت، ولا عدلت ولا اعتدلت!
أنت واختيارك، أنت وإنصافك، أنت ومروّتك، أنت وما ترضاه لنفسك، أنت وما تجده في وجدانك وحسّك، لا بل أنت وربّك، فاللَّه حسبي وحسبك!
أمّا أنا فقد خرجت لك من العهدة، ومخضت وطاب المطالب، ثمّ محضت
[١] - قارن: السيرة النبويّة لابن هشام ١: ٣٠٣، المنتظم ٢: ٣٦٨، الكامل في التاريخ ٢: ٤٣، تاريخ أبي الفداء ١: ١٧٦، السيرة النبويّة لابن كثير ١: ٤٦٣- ٤٦٤.
[٢] - ستأتي تفاصيل هذه الأُمور على الدقّة والفلسفة والبسط والاستيفاء في الجزء الثالث إن شاء اللَّه.( منه رحمه الله).