الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٦٩ - إذعان العرب بإعجاز القرآن
السجوف[١] والبدر الذي لا يسري إليه السرار[٢] والكسوف. قد ضبط كلّ قومه جميع تنقّلاته وأطواره منذ نعمت الدنيا بالظفر في نعومة أظفاره.
ولِمَ لا فزعت قريش إلى أهل بابل في حلّ سحره وإبطال مكره؟! وليت شعري (مسيلمة) هذا، أهو (مسيلمة الكذّاب) النابغ في قومه بما يزعمه قرآناً من مثله قوله: (ضفدع بنت ضفدعين! نِقّي ما شئت أن تنقّين! أعلاك في الماء وأسفلك في الطين)! وقوله: (والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً!)[٣].
فإن كان هذا هو الذي عناه فقد رضينا (بالوليد) بل بالطفل حَكَماً!
وما الغرض في نقل كلامه بيان ضعف خصامه وضعة أوهامه، واختلال ما تخيّله وإحالة ما تمحّله، بل الغرض بيان اندهاش لبّه وانذهال عقله، وارتباكه في الحيرة واشتباكه في الشبهة، فصار يحيل في كلامه ويتناقض في دعاويه وأحكامه، حيث وصف (محمّداً) صلى الله عليه و آله و سلم أوّلًا بالصدق والصيانة، ثمّ وصمه- معاذ اللَّه- بأعظم الخيانة!
وهو في كلّ ذلك كقومه غير شاعر بسوء سومه وحيف حكمه وحزّ حزمه.
نعم، وكلّما ازدادت المعرفة واشتدّت في الشيء المهارة وتقوّى الحذق واللباقة، وجاء الشيء باهراً في صنعته فائقاً في نظائره متعالياً في سموّه ونموّه وخصائصه وتميّزه، اشتدّ العجب به والتبهّر والاستحسان له والتحيّر.
[١] - السجف: الستر.( القاموس المحيط ٣: ١٥٥).
[٢] - السِرار: يوم يستسرّ فيه الهلال، آخر يوم من الشهر أو قبله.( العين للفراهيدي ٧: ١٨٧).
[٣] - لاحظ: تاريخ الطبري ٣: ١٣٤، إعجاز القرآن للباقلاني ٢١١، الكامل في التاريخ ٢: ٢٤٤، البداية والنهاية ٦: ٣٢٦، تاريخ آداب العرب ٢: ١٧٥.