الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٨ - الأمر الثالث اللغة العربية ودورها
المختلفة والشعوب المتفرّقة والعناصر الشتّى.
وبحفظ تلك الجامعة بلغ الإسلام أوج عزّه، ونزل في برج ارتقائه، وحلّ في سماء علائه وأعلى سمائه.
فكانت تجمعهم- على تباعد ما بينهم- جامعة اللغة والدين.
وهاتان الجامعتان هما الداعيتان لكلّ جامعة ووحدة من الأخلاق والآداب والعادات والعبادات وسائر النواميس أدبية ومادّية.
وبذلك تصبح تلك الأعضاء المتفرّقة والأشلاء المتشتّتة كجسد واحد يحافظ على كيانه وصحته وسلامته، وكلٌّ يؤدّي وظيفته على المنفعة المتبادلة، كاجتماع اللحم والشحم والدم والعظم والعروق والشرايين والغضاريف، وصيرورتها شيئاً واحداً وإنساناً كاملًا، يحفظ بعضه بعضاً، ويحامي بعضه عن بعض، وينفع بعضه الآخر، ويتألّم سائره لألم عضو منه.
نعم، بذلك تصير المتغايرات مرتبطات والمتفرّقات مجتمعات. فهذا عين وتلك إذن، وهذا يد وتلك رجل، تحفّ بقلب واحد، أهواؤها متّفقة وآراؤها مجتمعة، تحسبهم شتّى وهم جميع، وتخالهم أوزاعاً وهم سواء.
على العكس ممّا هم به اليوم: «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى»[١]، وتظنّهم أحياءً وهم موتى، كأعضاء مقطّعة وأشلاء موزّعة، لا رابطة تجمعهم ولا جامعة تربطهم! حتّى حلّ بالمسلمين ما تراه، حلّ بهم البلاء الذي عيانه أكبر من وصفه، ونعيه أكثر من نعته.
ولذلك علل وأسباب شتّى، لا أُغالي لو قلت: أكبرها سلخ اللغة العربية
[١] - سورة الحشر ٥٩: ١٤.