الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٢٢ - مقام البلاغة عند العرب وتأثيرها في النفوس، عود على بدء
الرتب وبلوغ هاتيك المنزلة، بأن يجيء المادح أيّاً كان، فيقول للملك: أنت شجاع كريم باسل ملك عظيم عادل، ثمّ لا يدع شيئاً من نعوت الثناء والإطراء إلّا ويتلوها عليه ليحتقب الأُلوف ويحتقر الصروف.
كلّا، ليس الشأن بذلك، وإنّما بلغ البالغون تلك المراقي والمراتب بما حووه من البلاغة وحسن البيان وبديع الخطابة ولطائف الأساليب.
فكانت المُدّاح- بحسن البيان- تهزّ الملوك هزّ الكماة[١] عوالي المرّان[٢]، ويبعثونهم- بحسن الأساليب- إلى الجود والندى، فينتفضون للعطاء كما انتفض العصفور بلّله الندى[٣]، ويستلبون منهم أعزّ الأشياء عليهم وأحبّها إليهم.
قل لي بأبيك، أيّ عربي- ولو كانت يده من صخر وقلبه من حجر- يسمع فيه قول القائل:
|
من البيض الوجوه بني سنان |
لو أنَّك تستضيء بهم أضاؤا |
|
|
هم حلّوا من الشرفِ المعلّى |
ومن شرف العشيرةِ حيث شاؤا |
|
|
فلو أنّ السماءَ دنت لمجدٍ |
ومكرمةٍ دنت لهمُ السماءُ[٤] |
|
من ذا يسمعها في مدحه، ولا تتدفّق يده ويتشقّق للعطاء قلبه وتتفجّر بالجود أنامله؟!
[١] - الكمي: الشجاع المتكمّي في سلاحه، أي: المستتر بالدرع والبيضة.( صحاح اللغة ٦: ٢٤٧٧).
[٢] - المرّان: الرماح.( المصدر السابق ٦: ٢٢٠٣).
[٣] - إشارة للبيت:
|
وإنّي لتعروني لذكراكِ نفضةٌ |
كما انتفض العصفورُ بلّله القطرُ |
|
راجع ديوان مجنون ليلى ٨٣.
[٤] - نُسب هذه الأبيات لأبي البرج القاسم بن حنبل المرّي في ديوان الحماسة ٢: ٣٠٤- ٣٠٥. ولم تُنسب لأحد في مفتاح العلوم ٢٧١- ٢٧٢.