الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٩١ - الأمر الأول ما للبيان والبلاغة عند العرب من الشأن، ودور القرآن في تعليم البلاغة والفصاحة
بالنظرة الطفيفة واللحظة الخفيفة- يعرف توسّعهم في أساليب البيان واستبحارهم في الفصاحة والبلاغة، ويعلم ما لذلك عندهم من الشأن وعظيم المنزلة وعلوّ الرتبة.
نعم، قد بلغ البيان وحسن المنطق منهم في نفوذ التأثير وامتلاك التبديل والتغيير وتحوير صفات المجتمع أو أفراده ما لم يبلغه عند أُمّة من الأُمم ولا شعب من الشعوب.
فكان الشعر وحسن البيان عندهم كأنّه هوالذي يذلّ العزيز ويعزّ الذليل، ويشجّع الجبان ويسخّي البخيل، ويحلّم السفيه ويسفّه الحليم، ويثير رهج[١] الحروب ويطفي لهب الخطوب، ويتصرّف في القلوب بما لا تتصرّف فيه ابنة الكرم ولا رسيس[٢] الغرام.
وشواهد ذلك أكثر من أن تحصى أو يحيط بها الاستطراد.
ولو أردنا أن نجمع أمثال:
قصّة (الأعشى)[٣] مع (المحلّق)[٤]:
[١] - الرهج: الغبار.( تهذيب اللغة ٦: ٣٤).
[٢] - الرسيس: أوّل ما يجد الإنسان مسّ الحمّى قبل أن تظهر، أو: الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه. ورسيس الهوى: أصله.( المصدر السابق ١٢: ٢٠٤ و ٢٠٥).
[٣] - تقدّمت ترجمته في ص ١٤٨ ه ٣.
[٤] - المحلّق بن حنتم بن شدّاد الكلابي العامري، كريم جاهلي. اشتهر بأبيات قالها فيه الأعشى، أوّلها: نفى الذمّ عن رهط المحلّق جفنة. ومنها:
|
تشبّ لمقرورين يصطليانها |
وبات على النار الندى والمحلّق |
|
وكانت عنده أخوات عوانس، فلمّا قيلت فيه أبيات الأعشى تزوّجن جميعهنّ. والمحلّق لقب له غلب على اسمه، فقيل: اسمه عبد العزّى بن حنتم، وقيل: عبد العزيز بن حنتم، ولقّب بالمحلّق؛ لشجّة أصابت وجهه كالحلقة من عضّة حصان أو من أثر كيٍّ. من نسله أُمّ هيثم الكلابية راوية أهل البصرة.
( العقد الفريد ٦: ١٧٧- ١٧٨، الأعلام للزركلي ٥: ٢٩١- ٢٩٢).