الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥٢ - عود على ذكر بعض آيات الإعجاز
واضطلاعك، وانظر أتجد لفظة تقوم مقامها وتحلّ محلّها وتؤدّي تمام مزاياها، على كثرة ما تحسب أنّه يرادفها ويساوي معناها؟!
أترى- وأنت من ذوي الفطانة والنباهة- يخفى عليك ما يدخل من الركاكة والفهاهة لو قلت: (وأتينا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه كذا)؟! أو يذهب عليك- مع حسن مذهبك في العربية- ما في «قَدِمْنا» من علوّ المأخذ وشدّة الشكيمة وفخامة الكلام والإشعار بما للمتكلّم من العظمة وسمّو المقام؟!
كذلك فاعتبر رصانته وخلوّه عن الحشو الزائد والفضلة التي ليست صلات الفضل بها عوائد.
تجد أقرب ما فيها للإسقاط والحذف ما وقع في وسط الآية من الظرف، وهو قوله: «مِنْ عَمَلٍ».
ومع ذلك، فلو حذفته، وقلت: (وقدّمنا إلى ما عملوا فجعلناه هباءً منثوراً)، كيف تجد الكلام معه قلق الوضين[١] مبتور الظهر مقطوع الوتين، لا يتلاقى طرفاه ولا يتساند ركناه!
وجه الوقوف على شرف الكلام وفضله أن تأخذ بمثل قوله: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ الْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ»[٢].
موضع الدلالة: أن تتأمّل في قوله: «لِيَأْخُذُوهُ»، وتنظر هل تقع موقعها كلمة، وهل تقوم مقامها لفظة، وهل تسدّ مسدّها في الجزالة نكتة، وهل تغني
[١] - الوضين: بطان البعير إذا كان منسوجاً بعضه في بعض، يكون من السيور.( العين للفراهيدي ٧: ٦١).
[٢] - سورة غافر ٤٠: ٥.