الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٤ - الأمر الأول في بدء نشأة الإنسان وعجزه وجهله وحاجته
أمّا معرفة حقائق الأشياء فدعها ناحية واتركها زاوية، ولا تغترّ بقولهم: (إنّ الحكمة: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه)، بعد استدراكهم ذلك بقولهم:
(بحسب الطاقة البشرية)[١].
والطاقة البشرية دون العروج إلى ذلك الشأو[٢] بمسافات عجزت قواهم وقُدرها عن تقديرها، بَلْهَ تصويرها.
خذها عني ناصعةً بيضاء كفلق الصبح: إنّ معرفة حقائق الأشياء بل حقيقة أيّ شيء من الأشياء كنز مرصود ما انحلّت طلاسمه ولا رُقيت عزائمه، وهو من الغيب الذي ما مُلكت مفاتحه ولا فُتحت مغالقه، إلّالمن: «عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ»[٣].
وإنّما المتيسّر هو معرفة الأشياء بآثارها ولوازمها لا بحقائقها وجواهرها، وباختلاف الآثار نحكم باختلاف حقائقها، فإنّ تمايز الآثار آية تمايز المؤثّرات، والحقيقة الواحدة ذات أثر واحد، وإلّا لزم الخلف، فتلطّف وتدبّر.
نعم، إذا كان الإنسان على كتلات الليالي وربوات الأيّام لا يزال مستشرفاً مشرأباً يعاني ويجهد في البحث عن معرفة حقيقة نفسه، فلا يزداد إلّاحيرة ودهشة وتقاعساً ودحوراً، وكلّما سعى إليها أحسّ بهاجس يهتف به: عُدْ، فالباب موصود، والطريق مسدود، والطالب مردود! فما ظنّك به لو طلب معرفة غيره من الحقائق؟!
[١] - قارن: رسائل إخوان الصفا ٣: ١٤٣، التعريفات للجرجاني ٦٦، كشّاف اصطلاحات الفنون ١: ٣٦، أبجد العلوم ٢: ٢٠٧، دستور العلماء ٢: ٣٢.
[٢] - الشأو: الغاية والأمد.( صحاح اللغة ٦: ٢٣٨٨).
[٣] - سورة الأنعام ٦: ٥٩.