صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٥ - فوائد شريفة
و الغضب و الحسّ و التخيّل، و توجّهت و ولّت بوجهها شطر الحقّ و تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتّصلت بالسعادة القصوى فلاح لها سرّ الملكوت، و انعكس عليها قدس اللاهوت، و رأى عجائب آيات الله الكبرى، كما قال سبحانه: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى)[١].
ثمّ إنّ هذا الروح إذا كانت قدسيّة شديدة القوى قوية الإنارة لما تحتها؛ لقوة اتّصالها بما فوقها، فلا يشغلها شأن عن شأن، و لا يمنعها جهة فوقها عن جهة تحتها، فيضبط للطرفين (الطرفين ظ) و يسع قوتها الجانبين؛ لشدّة تمكّنها في الحدّ المشترك بين الملك و الملكوت، لا كالأرواح الضعيفة التي إذا مالت إلى جانب غاب عنها الجانب الآخر ...
فإذا توجّهت هذه الأرواح القدسيّة التي لا يشغلها شأن عن شأن ... و تلقّت المعارف الإلهيّة بلا تعلّم بشري، بل من الله يتعدّى تأثيرها إلى قواها، و يتمثّل لروحه البشري صورة ما شاهدها بروحه القدسي و تبرز منها إلى ظاهر الكون فيتمثّل للحواس الظاهرة سيّما السمع و البصر؛ لكونهما أشرف الحواس الظاهرة، فيرى شخصاً محسوساً في غاية الحسن و الصباحة، و يسمع بسمعه كلاماً منظوماً في غاية الجودة و الفصاحة، فالشخص هو الملك النازل بإذن الله الحامل للوحي الإلهي، و الكلام هو كلام الله تعالى و بيده لوح فيه كتاب هو كتاب الله.
و هذا الأمر المتمثّل بما معه أو فيه ليس مجرّد صورة خياليّة لا وجود لها في خارج الذهن و التخيّل، كما يقوله من لا حظّ له من علم الباطن، و لا قدم له في أسرار الوحي و الكتاب كبعض أتباع المشّائين إلخ.
أقول: ما نسجه أخيراً في رؤية الشخص المحسوس أشبه بالشعريات، و إنّما اخترعه و أنكر قول بعض أتباع المشّائيّة فراراً عن مخالفة ما هو الواضح في الشريعة الإسلامية، و إلّا فصدر كلامه ظاهر في مراده، و أنّ جبرئيل هو العقل الفعّال المجرّد الممتنع عليه النزول و الصعود، كما صرّح به المحقّق الداماد من قبله، و المحقّق اللاهجي من بعده[٢].
لكن مع فرض وجود المجرّدات الممتنع عليها الحركة، لا داعي إلى رفض الظواهر الدينيّة و ما أجمع عليه طوائف المسلمين في كيفيّة الوحي من نزول جبرئيل على الرسول الأكرم (ص)؛ إذ لا دليل لديهم على تجرّد كلّ ما يسمّى بالملائكة و تحرّرهم من المادة و لواحقها.
فلعلّ الملك المسمّى ب- «جبرئيل» جسم لطيف يصحّ عليه الهبوط و الصعود، و أيّ ملزم على كونه هو العقل الفعّال؟!
إلّا أن يقال: إنّ الملزم عليه ما ورد في الشرع من أفضليّة جبرئيل من معظم الملائكة أو
[١] - النجم ٥٣/ ١٨.
[٢] - گوهر مراد/ ٢٥٨.