صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٥٣ - تقدمة
فهو نبيّ، و ليس كلّ نبيّ فهو رسول، و قد كان من أنبياء الله عزّو جلّ حفظة لشرائع الرسل و خلفائهم في المقام، و إنّما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك؛ لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء (عليهم السلام)، انتهى.
أقول: لعلّ دعواه اتّفاق الإمامية إنّما هي على مجرّد أعمّية النبيّ من الرسول و أخصّيّة الرسول من النبيّ فقط، و بقيّة ما أفاده إنّما هي ممّا أداه إليه نظره الشريف، و هذا الاحتمال قريب جداً، و لا أقل من الشكّ فليس لأحد أن يستظهر اتّفاق الإماميّة على جميع ما نقلناه من عباراته.
و مهما يكن فأعميّة النبيّ عن الرسول و إن كانت صحيحة كما مرّ بحثها لكن ليس كلّ رسول ذا شريعة كما يشعر به عبارة الشيخ المذكور (قدس سره) و لا أنّ النبوّة عبارة عن مجرّد حفظ الشريعة حتّى يصحّ اتّصاف أئمتنا بالنبوّة و يكون الممنوع هو استعمال لفظ النبيّ عليهم شرعاً! و إلّا لكان هو و أضرابه به أعاظم العلماء أيضاً واجدين لمعنى النبوّة، فإنّهم حفظة الشرع، و هو كما ترى.
و المتحصّل ممّا سبق- لحدّ الآن- أنّ الإمامة تمتاز و تفترق عن النبوّة بأمور ثلاثة:
١- وصول الوحي إلى النبيّ بلا توسّط إنسان، و وصول الإلهام إلى الإمام بعد عرضه على النبيّ، بل و على إمام قبل الإمام الملهم.
٢- أصالة منصب النبيّ، و نيابة منصب الإمام، و خلافته عن الرسول (ص).
٣- رؤية النبيّ الملك أو الحكم الشرعي في الرؤيا، و معاينة الرسول الملك يقظة. و الإمام ليس كذلك، و إنّما يستمع صوت الملك في اليقظة فقط، و لا أظنّ بالقارئ المنصف أن يستبعد هذا المعنى في أئمة أهل البيت فإنّ تحدّث الملائكة لا يخصّ الأنبياء و الرسل، بل اتّفق لبعض الأولياء أيضاً، كما ينطق القرآن: (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ)[١]، (قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا* قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ)[٢] إلخ، فمريم (عليهاالسلام) لم تكن نبيّة و لكن كانت محدّثة. و مثلها أم إسحاق (عليهاالسلام) (قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)[٣].
و في صحيح البخاري عن أبي هريرة- شيخ رواة الأمويين- عنه (ص): «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون- بفتح اللام- من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمّتي
[١] - آل عمران ٣/ ٤٢.
[٢] - مريم ١٩/ ١٩- ٢٠.
[٣] - هود ١١/ ٧٣.