صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٧ - الدليل الخامس
حتّى تتيقن بذلك[١].
و نقاوة الكلام أنّ حديث الغدير المتجاوز حدّ التواتر بماله من القرائن الداخلية و الخارجية نصّ صريح في خلافة أمير المؤمنين (ع) بعد النبيّ، و لا يقبل التأويل بوجه، و لا سيّما أنّ كلّ ذلك ممّا استخرجناه من كتب قوم لا يعقل الجعل و الافتعال في حقّهم في هذه المسألة فإنّهم ينكرونها أشد الإنكار. و على كلّ، لا يحتمل واحد من المئة إرادة النصرة و المحبّة.
نعم، تصدّوا لمنع دلالة الحديث على مدلوله من جهات أخرى فقالوا معترضين:
أولًا: أنّ أحداً من أئمة اللغة لم يذكر أنّ مفعلًا يأتي بمعنى أفعل.
و ثانياً: أنّ الاستعمال أيضاً يمنع ذلك؛ إذ يقال: هو أولى من كذا دون هو مولى من كذا؛ فيفهم منه أنهما متغاير ان لا مترادفان.
و ثالثاً: سلّمنا أنّه أولى، لكن لا نسلّم أنّ المراد أنّه الأولى بالإمامة، بل بالاتباع و القرب منه كقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ)[٢]. بل هذا الاحتمال هو الصحيح؛ إذ هو الذي فهمه أبو بكر و عمر، فإنّهما لمّا سمعا قوله (ص) قالا لعلي: أمسيت يا بن أبي طالب مولى كلّ مؤمن و مؤمنة. أخرجه الدار قطني[٣].
و رابعاً: سلّمنا أنّه أولى بالإمامة، فالمراد المآل، و إلّا كان هو الإمام مع وجود رسول الله (ص). و لا تعرّض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذٍ تقديم الخلفاء الثلاثة عليه.
و خامساً: كيف يكون ذلك نصّاً على إمامته، و لم يحتجّ به هو و لا غيره وقت الحاجة، و إنّما احتجّ به عليّ في خلافته.
هذه هي كلماتهم الدائرة على هدم صراحة هذه الرواية في خلافة عليّ (ع) و لكن كلمة الله هي العليا، و الباطل زاهق يذهب جفاء.
نقول: أمّا الشبهة الأولى فهي من القول الزور الباطل، و إن دلّت على شي فإنّما تدلّ على جهل قائلها أو عناده، فإنّ الذين نصّوا على مجيء ذلك في قوله تعالى: (مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ)[٤] من الصحابة و التابعين والمفسّرين و اللغويين و المحدّثين و الأديبين و المتكلّمين
[١] - الغدير ١/ ٢٧٠- ٢٨٣، و لا حظ قرائن أخرى، منها فهم جملة من الحاضرين في ذلك المشهد الإمامة من كلامه( ص) بل و تصريح نفس النبيّ( ص) بذلك لاحظ الغدير ١/ ٣٨٦.
[٢] - آل عمران ٣/ ٦٨.
[٣] - ذكره و تالييه ابن حجر في صواعقه/ ٤٢، بعد الوجهين السابقين اللذين ذكرهما جمع من العامّة.
[٤] - الحديد ٥٧/ ١٥.