صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٥ - فذلكة شريفة
فإن قلت: فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة و البلوغ إلى السبب الطبيعي الذي للمعجزة، كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبي أيضاً، و لن يبق فرق بين المعجزة و غيرها، إلا بحسب النسبة و الإضافة فقط، فيكون حينئذ أمرما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، و هم المطّلعون على سببها الطبيعي الحقيقي، و في عصر دون عصر، و هو عصر العلوم، فلو ظفر البحث العلمي على الأسباب الحقيقية الطبيعية القصوى لم يبق مورد للمعجزة، و لم تكشف المعجزة عن الحق.
و نتيجة هذا البحث: أن المعجزة لا حجية فيها إلّا على الجاهل بالسبب، فليست حجة في نفسها.
قلت: كلا فليست المعجزة معجزة من حيث إنها مستندة إلى سبب طبيعي مجهول حتى تنسلخ عن اسمها عند ارتفاع الجهل و تسقط عن الحجية و لا أنّها معجزة من حيث استنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث إنها مستندة إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب، قاهر العلة البتة. و ذلك كما أن الأمر الحادث من جهة استجابة الدّعاء كرامة من حيث استنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض، مع أنه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنه عادي يمكن أن يصير مغلوباً مقهوراً بسبب آخر أقوى منه، انتهى كلامه.
ثم أعلم أن الفرق بين المعجزة و السحر بحسب مقام ثبوت و نفس الأمر بوجهين:
الأول: عدم إمكان معارضتها لأحد بخلافه، فإنّه يمكن الإتيان بمثله، بل أقوى منه.
الثاني إجراء الله المعجزة لأجل تصديق النبي في دعواه النبوّة، و إنفاذه تعالى السحر من جهة تأثير الأسباب في المسببات؛ و لأجل هذين الفرقين تغلب المعجزة السحر عند تعارضهما كما لقفت عصا موسى ما أفكه سحرة فرعون.
و أمّا بحسب مقام الإثبات فقد ذكر بعض الفضلاء السادة (رحمه الله) وجهين:
١- احتياج السحر إلى الصنع و الآلات و التعليم التعلّم، و عدم احتياج الإعجاز إليها، فإنّه يحصل بمجرد إرادة النبي.
٢- عجز الساحر عن كل ما يريد الخصم؛ لاختصاص مهارته ببعض الأفعال المخصوصة و الحركات المعيّنة، و قدرة النبي على كل ما يطلبه الخصم منه و يتقرحه.
أقول: لكنّهما غير مطّردين دائماً؛ إذ ربّ ساحرٍ لا يحتاج إلى آلة و وقت، و يكون تعلّمه غير معلوم للمخاطبين و النبي ربّما لا يأذن الله له في إظهار ما يريده المقترحون لمصلحة، فلا يجب جريانها على وفق ميول الناس، فافهم.
و الذي أراه عاجلًا في تشخيص المعجزة عن السحر بحسب الظاهر و مقام الإثبات هو حال