صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٢٩ - الموقف الخامس في تعيين أفضل الأمة بعد النبي الأكرم
أن يكون الأتقى هو أبو بكر.
هذا ما نسجه هذا المتوهّم، و هو تلفيق عجيب، و كأنّ الملفّق عمي أو تعامى عليه أنّ المراد بالأحد المنعم ليس هو عمومه الاستيعابي و إلّا لم يوجد للأتقى المذكور مصداق في تمام الكرة الأرضية، إذ ما من بشر إلّا و عنده نعمة من غيره قابلة للجزاء، كالوالدين و المعلّم و الأقارب و الأصدقاء، و لا يمكن أن يوجد بشر[١] لم يصل إليه إحسان بشر مثله بالضرورة. بل المراد به الأحد الذي يؤتى له المال؛ لئلا يكون إيتاء المال كالمعاملة، بل لابتغاء وجه الله، و هذا المعنى هو المتفاهم عرفاً من الآية الكريمة، مضافاً إلى كونه موافقاً للاعتبار العقليّ أيضاً، فأين انطباقها على أبي بكرهم وحده؟! و إلّا فعنده أيضاً نعمة من أبيه و غيره، بل يمكن ألا يقال إنّها نزلت في حقّ عليّ (ع) لقوله تعالى: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً)[٢] فإنّه نزل في حقّ عليّ و فاطمة و الحسنين (عليهم السلام) قطعاً باعتراف جمع من المخالفين، و صلاحيّته للقرينيّة على مطلوبنا واضحة جداً.
ثمّ إنّ ما تفوّه به من أنّ نعمة الهداية لا تجزى يزيّف بقوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)[٣] فمودّة عليّ و آله ذوي قربى رسول الله واجبة على أبي بكر و غيره إن اهتدوا بهدى النبيّ الأكرم (ص). و هذا افضيلة أخرى يفضل بها أمير المؤمنين على أبي بكر.
و يمكن أن يقال إنّ الآية لا تدلّ على الأفضليّة المطلقة لنخصّ عليّاً (ع) بل على الأفضليّة النسبية، و كذلك الأشقى في قوله: (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى)[٤]، فإنّ الموجب لدخول الجنّة فضلًا عن تجنّب النار هو التقوى، فالتقي يستحقّ الجنة و إن لم يكن أتقى، و كذا الشقي يدخل النار و إن لم يكن أشقى، و هذا ظاهر لاستر عليه.
و منها: قوله (ص): «اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر و عمر». و عمومه شامل لعليّ (ع) و لا يؤمر الأفضل و لا المساوي بالاقتداء.
أقول: مع كونه جدليّاً، غير صحيح فإنّ سند الرواية ضعيف كما اعترفوا به أنفسهم، بل سبق بطلانه و افتعاله لأجل ما ذكرناه من القرائن.
و منها: قوله (ص) في حقّ أبي بكر و عمر: هما سيدا كهول أهل الجنة ما خلا
[١] - حتّى النبيّ الأكرم، فإن لأبي طالب و عبد المطلب و حليمة المرضعة عنده نعمة الحفاظة و الإطعام و غيرهما.
[٢] - الإنسان ٧٦/ ٩.
[٣] - الشورى ٤٢/ ٢٣.
[٤] - الليل ٩٢/ ١٥- ١٦.