صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٠٣ - المقام الثالث في نفي السهو في الأفعال الواجبة و المحرمة
و يظهر من علم الهدى خلافه، قال في محكي تنزيه الأنبياء[١]: إنّ النبي (ص) إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير، فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان، ألا ترى أنّه إذا نسي أو سها في مأكله أو مشربه على وجه لا يستمرّ و لا يتّصل فينسب إلى أنّه مغفّل ان ذلك غير ممتنع.
و الإنصاف أنّه لا دليل على نفي ذلك عنهم، و لا سيّما قبل النبوّة و قبل البلوغ، بل ظاهر القرآن خلافه، قال الله تعالى: (وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)[٢] و قال في حقّ موسى و يوشع (عليهماالسلام): (نَسِيا حُوتَهُما)[٣] و قال أيضاً حكاية عن الأوّل منهما: (لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ)[٤] و عن الثاني عنهما: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ)[٥] و خاطب حبيبه (ص): (وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ)[٦]، فالأحرى للمؤمن التوقّف. و الله الهادي.
المقام الثالث: في نفي السهو في الأفعال الواجبة و المحرّمة
و قد عرفت من المجلسي (رحمه الله) إجماع أصحابنا الإمامية على ذلك، لكن خالف فيه الصدوق و شيخه ابن الوليد- رحمهما الله- قال الأوّل[٧]: إنّ الغلاة و المفوّضة- لعنهم الله- ينكرون سهو النبيّ (ص) يقولون: لو جاز أن يسهو (ع) في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ؛ لأنّ الصلاة فريضة كما أنّ التبليغ فريضة ... و ليس سهو النبي (ص) كسهونا؛ لأنّ سهوه من الله- عزّ و جلّ، و إنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ ربّاً معبوداً دونه و ليعلم الناس بسهوه حكم السهو ... و كان شيخنا
[١] - البحار ١٧/ ١١٩.
[٢] - طه ٢٠/ ١١٥.
[٣] - الكهف ١٨/ ٦١.
[٤] - الكهف ١٨/ ٧٣.
[٥] - الكهف ١٨/ ٦٣.
[٦] - الكهف ١٨/ ٢٤.
[٧] - من كتابه من لا يحضره الفقيه( الطبعة الحديثة) ١/ ٢٣٤: و لكن الأصحاب شدّدوا الإنكار عليه، و استنكروا كلامه هذا غاية الإنكار، و في طليعة القوم صاحب الرسالة- و غالب الظنّ أنّه الشيخ المفيد( قدس سره) فإنّ عباراتها تشبه عباراته كما يظهر لمن مارس كلامه( قدس سره) و احتمال كونها من علم الهدى بعيد جداً- حيث طعن عليه بما لا يناسب كرامة القائل و لا جلالة المقول فيه- نور الله مفجعيهما- و أمّا الرسالة فهي مضبوطة في البحار ١٧/ ١٢٢- ١٢٩ و من العجيب أنّ الكلام الطبرسي( رحمه الله) أكثر خلافاً لإجماع الأصحاب و مع ذلك لم يشتهر بالطعن و الاستنكار، بل لم يبتل بهما أصلًا.