صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٧ - الشرط الرابع تنزهه
أقول: اعتبارها في النبي واضح، فإن كلّ عاقل إذا أراد نصب أحد لإكمال أمره لا ينصب إلا من كان لائقاً به و كافياً بشأنه، و إلا لعدّ ناقضاً لغرضه. و كان من السفهاء، فالحكيم القديم إذا أراد هداية قوم و إسعادهم بامتثال قانون شامل لجميع نواحي حياتهم و جهات آخرتهم فلا بدّ أن يرسل شخصاً كاملًا من جميع الجهات المحتاجة إليها هداية الناس.
و عن رسول الله (ص): «اما قسّم الله شيئاً أفضل من العقل فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ... و لا بعث الله نبيّاً و لا رسولًا حتى يستكمل العقل و يكون عقله أفضل من (جميع عقول) أمته[١]» انتهى.
و المسألة ضرورية أو قريبة منها، نعم في عدّها شرطاً مستقلًّا نظر؛ إذ الظاهر أنّها راجعة إلى العصمة كما يظهر ممّا تقدم.
الشرط الرابع: تنزّهه
و يقصد به تنزّهه عمّا ينفر عنه الطباع كدناءه الآباء و عهر الأمهات و الرذائل و الأفعاله الدالة على الخسّة، كما ذكره جماعة و نقله العلّامة (رحمه الله) عن الإمامية[٢]؛ و ذلك لأنّ النبي إذا كان منفوراً للناس لا ينقادون لأوامره و تكاليفه. و هذا نقض لغرض الواجب الحكيم، و هو لمكان قبحه ممتنع عليه.
أقول: الأوصاف الرذيلة و الأفعال الدنيئة تابعة لغلبة القوة الشهوية أو الغضبية على العاقلة، و حيث إنّ المعصوم عقله يغلب على شهوته و غضبه كما عرفت فلا موضوع لها في حقه.
و أما نفي عهر الأمهات فممّا لا شكّ فيه، فإن الله تعالى لا يجعل نطف أوليائه المصطفين الأخيار إلا في أرحام طاهرة، بل ذكر هذا الموضوع لا يخلو عن سوء أدب بالنسبة إليهم (عليهم السلام).
و بالجملة: ما ذكروه في هذا المقام و إن كان متيناً لكن بملاك ذكرناه دون ملاك التنفير، فإنّ بطلانه غير واضح؛ لما تقدّم من أنّ الغرض يقوم بإتمام بالحجّة و قطع المعذرة، و لا دليل على لحاظ طبائع الناس، بل وظيفة الرسول تعديل طباعهم و تحديد ميولهم؛ و لذا لم يسمع إلى قول القائل: (لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)[٣] و قولهم: (ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ)[٤].
[١] - أصول الكافي ١/ ١٣، و سندها مرفوع غير معتبر.
[٢] - إحقاق الحقّ ٢/ ٢٢٧.
[٣] - الزخرف ٤٣/ ٣١.
[٤] - الفرقان ٢٥/ ٧.