صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٤ - الدليل الخامس
فالحديث- شهد الله- متجاوز عن حدّ التواتر بكثير.
و بعد ذلك لا تقيم وزناً لما يقال من أنّ الحديث من الآحاد، و الإمامة عند الإماميّة من أصول الدّين و هم لا يعتبرون فيها الخبر الواحد. فقد بان الصبح لذي عينين.
و أمّا ما ذكره الإيجي في مواقفه من أنّ عليّاً لم يكن يوم الغدير مع النبيّ فإنّه كان باليمين.
و ما ذكره الجرجاني في شرحها[١] بقوله: و ردّ هذا بأنّ غيبته لا تنافي صحّة الحديث، إلّا أن يروى هكذا: أخذ بيد عليّ و استحضره. فهو إن دل على شيء لدلّ على تعصّبهم و عدم تحمّلهم للحقّ؛ و لذا قال ابن حجر[٢] على شدّة جموده و عناده: و لا التفات لمن قدح في صحّته، و لا لمن رواه بأنّ عليّاً كان باليمين؛ لثبوت رجوعه- أي علي- منها و إدراكه الحجّ مع النبيّ (ص) إلخ.
الثانية: في دلالتها على خلافة أمير المؤمنين (ع) عن النبيّ الأكرم في الأمّة الإسلامية، فنقول: قوله (ص): «يا أيّها الناس إنّ الله مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه يعني عليّاً» لا معنى له سوى تلك الخلافة، و إنّه (ص) لم يرد بكلامه هذا غير الخلافة و الإمامة لابن عمّه أمير المؤمنين (ع).
بيان ذلك: أنّ كلمة «مولى» و إن استعملت في معان كثيرة إلّا أنّ ما يحتمل إرادته في المقام منها بحيث لا يلزم الكذب و لا السفاهة الظاهرة أمور:
١- المالك. ٢- الولي. ٣- الأولى بالشيء. ٤- السيد غير المالك و المعتق- بالكسر-. ٥- المتصرف في الأمر. ٦- المتولي في الأمر. ٧- المحب. ٨- الناصر.
و كلّ معنى من المعاني الستّة الأولى إذ فرض إرادته من كلمة «مولى» يتمّ المراد و يثبت المطلوب، بل الحقّ أنّها تثبت النبوّة لعلّي (ع) فإنّ ملكيته (ص) و ولايته و أولويّته و سيادته و تصرّفه و تولّيه إنّما هو بنحو الرسالة، بيد أنّ الضروري في دين الإسلام ختم النبوّة و الرسالة به (ص) فنضطرّ إلى الاقتصار على الخلافة. و هذا واضح.
و أمّا إذا أريد بها أحد المعنيين الأخيرين فلا ربط لها بالخلافة و الإمامة كما ليس بسر، إلّا أنّ العاقل المسلم الذي لا يفدي دينه بتقليده للغير، و لا يظلم ضميره الحر المتنوّر بالعصبيّة يتيقّن أنّ الرسول الخاتم الحكيم (ص) لم يردهما أصلًا.
ضرورة أنّ الذي يفهمه كلّ أحد من الخطبة الشريفة هو تكليف الناس برعاية حقّ عليّ (ع)- كائناً ما كان هذا الحقّ- لا تكليف عليّ (ع) برعاية حقّ الناس. و أيضاً لو كان مراده (ص) ذلك لم
[١] - المواقف و شرحها ٣/ ٢٧٢.
[٢] - الصواعق المحرقة/ ٤٠.