صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١ - الجهة الثانية في أدلة القول بالعصمة
الوثوق بقوله فلا ينقادون له و هذا نقض للغرض.
أقول: هذا الوجه هو الدليل المشهور المتداول في الألسنة، و مفاده إثبات العصمة بعد النبوة ضرورة أن تجويز الذنب و الكذب على أحد في زمان سابق لا يوجب سقوط أقواله الصادرة عنه في زمان وثاقته و عدالته، فكم من رجل لا يسمع كلامه في حين، ثم يصبح أمينا صالحاً معتمداً للناس، و هذا واضح لمن التفت إلى حال العقلاء في الاجتماع و نظام المعاملات. فلا يصح أن نعتمد عليه في إثبات العصمة قبل النبوة، بل لا يثبت به العصمة في غير ما يتعلّق بالتبليغ و بيان الاحكام فقط؛ إذ الذي يتوقّف عليه غرض البعثة هو إيصال الأحكام إلى الناس و هو يتوقّف على اعتمادهم على النبي و وثاقته عندهم.
و أمّا الافعال فإن فرضنا عدم حجّيتها في حقّ الأمة فلا يلزم نقض الغرض، و ما أفاده العلامة الحلّي (قدس سره) في شرح التجريد من مأمورية الأمم باتّباع أفعال الأنبياء أيضاً فمع تجويز المعصية عليهم لا ينقادون، غير متين فإنّا نطالبه بدليل هذه المأمورية لجميع الأمم قبل إثبات عصمتهم في افعالهم (عليهم السلام).
و على فرض صحتها نقول: إن المبعوث إليه يسأل عن نبيه: هل فعله هذا راجح ام لا؟ و المفروض عصمته في كلامه و تبليغه.
بل أضف و أقول: إن هذا الوجه لا يثبت العدالة المصطلحة فضلًا عن العصمة المعنونة؛ و ذلك لأن وثوق الناس بأحد في أقواله معلول اجتنابه عن الكذب، فمن ظهر صدقه يعتمد العقلاء على أقواله و إن كان منحرفاً في بعض أفعاله، و هذا مما لا يقبل الترديد كما يظهر من سيرتهم القطعية المحسوسة في كل يوم.
٤- النبي يجب متابعته للاجماع و لقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)[١]، و لا فرق بين نبيّنا و سائر الأنبياء (عليهم السلام) في ذلك، فإذا فعل معصية فإما أن يجب متابعته أو لا، و الثاني باطل لانتفاء فائدة البعثة و لوجوب المتابعة كما عرفت، و الأول فاسد لحرمة فعل الحرام[٢].
أقول: لقائل أن يلتزم بالشقّ الثاني فإنّ الواجب هو متابعة النبي في أقواله دون أفعاله، و لا ينتفي بذلك فائدة البعثة كما لا تنتنفي بعدم المتابعة في أفعاله العادية كأكله و شربه و تكلّمه مع
[١] - آل عمران ٣/ ٣١.
[٢] - كل دليل أخذ من الكتاب و الإجماع و السنة فهو موقوف على عصمة نبينا الخاتم( ص) في التبليغ والا لسقط الاستدلال به كما هو ظاهر، لكن عصمة النبي الاكرم( ص) ثابتة بنفس المعجزة كما مر فلا ضير من هذه الجهة، و الغرض مجرد التنبيه عليه.