صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٦ - ما يقول العامة في إثبات دعواهم
الداعي الذي يجب باتباعه الأجر الاحسن و بتركه العذاب الشديد أحد الخلفاء الثلاثة، و يلزم خلافة أبي بكر لعدم القائل بالفصل.
أقول: من راجع تفسير الرازي ذيل الآيتين الشريفتين يعلم بطلان هذا الاستدلال نهائيّاً- و كفى الله المؤمنين القتال- بيد أنّا نذكر ما يظهر سقوطه جليّاً.
نقول: أوّلًا إنّ الداعي هو النبيّ الأكرم (ص)، قولهم إنّه كان عالماً بعدم متابعتهم إيّاه فكيف يدعوهم؟ ممنوع؛ إذ لا دلالة لقوله: (لَنْ تَتَّبِعُونا) على نفي متابعتهم مطلقاً، بل في خصوص غزوة خيبر كما يظهر من الآية، و اعترف به الرازي في أحد احتماليه، و قوله: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ)[١] كان في غير هذا؛ و هم المخالفون في غزوة تبوك. و أمّا احتماله الأوّل فهو أن تقدّر الآية: كذلك: لن تتبعونا و أنتم على ما أنتم عليه، قال: و يجب هذا التقييد لأنّا أجمعنا على أنّ منهم من أسلم، و حسن إسلامه، بل الأكثر ذلك، و مع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه عليهم، إلخ.
فالاستدلال بالآية باطل بإجماعهم! نزلنا عن جميع ذلك، و سلمنا أنّه (ص) على عدم متابعتهم مطلقاً؛ و لكن هذا لا يوجب عدم دعوتهم إلى القتال، ضرورة أنّ العصيان ليس من مسقطات التكليف و موانع الأمر و النهي، ألا ترى أنّ الله سبحانه و تعالى يعلم أنّ الكفار و المنافقين و الفاسقين لا يؤمنون و لا يصلّون و لا يصومون و لا يزكّون و لا يحجّون أبداً، و مع ذلك أمرهم بها كما أمر المؤمنين الأتقياء.
فلا منافاة بين العلم بعدم المتابعة و الدعوة إليها، و إنّما المنافاة بينه و بين الأخبار بوقوع المتابعة.
و قد حقّقنا ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب فلاحظ.
و أمّا قولهم: أيضاً أنّ المخلّفين لم يدعوا إلى المحاربة في حياته فمكابرة، و أسخف منه ما تفوّه به بعض الأغبياء المرجفين من أنّه أجمع الفريقان- يعني الشيعة و العامّة- أنّه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلّا غزوة تبوك، و لم يقع فيها لا القتال و لا الإسلام[٢].
أقول: أليس صلح وقع في العامّ السادس؟ و غزة الخيبر في العالم السابع؟ و محاربة الموتة التي استشهد فيها جعفر بن أبي طالب الطيار (ع) و كان عسكر الكفار مئة ألف جندي أو أكثر، في العام الثامن؟ و فيه محاربة ذات السلاسل التي تولّى فيها الشيخان أبو بكر
[١] - التوبة ٩/ ٨٣.
[٢] - لاحظ مختصر التحفة الاثنا عشرية/ ١٢٨، الذي لا تجد فيه غير الأراجيف و الأغلاط الواضحة و الأكاذيب الجليّة، فويل لهم مما يكتبون بأيديهم.