صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧ - الجهة الاولى في نقل الأقوال فيها
نعم قد تقدّم في بحث صدقه تعالى[١] بعض الروايات الصحيحة من طريق العامة الدالة على تقية النبي (ص).
أمّا الثاني فقد اتّفقت الأمة- بل جميع أرباب الملل و الشرائع- على وجوب عصمتهم من الكذب و التحريف فيما يتعلّق بالتبليغ عمداً و سهواً، إلّا القاضي من الجمهور فإنّه جوّز ما كان ذلك على سبيل النسيان و فلتات اللسان، و يظهر من الرازي أنّ القائل به جماعة، ثم استدلّ على بطلانه بقوله: و الا لارتفع الوثوق بالأداء. لكن غير منتج على بنائه من إنكار الحسن و القبح العقليين.
أما الثالث و هو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً (هكذا) و سهواً خلافاً لجماعة من العامّة حيث جوزوا خطأهم (عليهم السلام) سهواً.
أقول: ذكر هذا القسم في كلمات بعض أصحابنا لم يقع في محلّه؛ لأنّا نجلل النبي الأعظم- و كذا غيره من الأنبياء العظام صلى الله عليهم- من الفتوى و استنباط الحكم من الادلة كالمجتهدين، فإنّه لا ينطق إلا عن وحي أو إلهام واضح.
أمّا الرابع و هو العمدة فقد اختلفوا فيه على أقوال خمسة:
القول الاول: ما عليه الامامية، و هو أنّه لا يصدر منهم ذنب لا صغير و لا كبير لا عمداً و لا نسياناً و لا خطأ في التأويل و لا للاسهاء من الله سبحانه، بل السهو و النسيان منفيان عنهم (عليهم السلام) و لو في الأمور المباحة، فإنّ أكثرهم- كما يقول المجلسي (رحمه الله)- ادّعوا: الإجماع على نفيهما. و لم يخالف في هذا- على المشهور- إلا الصدوق و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد- رحمهما الله- فإنّهما جوّزا الإسهاء من الله لا السهو الذي يكون من الشيطان، و لا فرق في ذلك كلّه عندهم بين الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام).
القول الثاني: أنّه لا يجوز عليهم الكبائر و يجوز عليهم الصغائر و لو عمداً كما ذكر الرازي، إلا الصغائر الخسيسة المنفرة كسرقة حبة أو لقمة، و كل ما ينسب فاعله إلى الدناءة و الضعة. و هذا قول اكثر المعتزلة.
القول الثالث: انه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة و لا كبيرة على جهة العمد لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو. و هو مذهب أبي علي الجبائي.
أقول: بل هو مذهب أكثر الأشاعرة كما في المواقف و شرحها، قال: قال القاضي و المحققون من الأشاعرة: إنّ العصمة فيما وراء التبليغ غير واجبة عقلًا؛ إذ لا دلالة للمعجزة عليه، فامتناع
[١] - في الجزء الأول.