صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٠ - تفصيل و تحقيق
و أمّا الثالث فهو المتيقّن من الغيب.
و لا يبعد أن يكون قوله تعالى: (وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ)[١] و قوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)[٢] نظائرهما مستعملة في مطلق الغيب الشامل لمعانيه الثلاثة، فإنّ الاختصاص خلاف الظاهر.
فما قيل اختصاص الغيب بما لم يكن و سيكون ضعيف، و الاستدلال بقول الصادق (ع) الوارد في تفسير قوله تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ)[٣]: الغيب ما لم يكن، و الشهادة ما قد كان عليل لأنّه لا يدلّ على الاختصاص، بل على الاستعمال.
٢- قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[٤] قال أمين الإسلام الطبرسي (عليهماالسلام) في مجمع البيان: و الصحيح أنّ معناه: و يعلم نزول الغيث في زمانه و مكانه، كما جاء في الحديث: «إنّ مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلّا الله ...» و قد روي عن أئمة الهدى أنّ هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل و التحقيق غيره تعالى انتهى كلامه.
و في مرسلة القمي[٥] عن الصادق (ع): «هذه الخمسة أشياء لم يطلّع عليها ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل، و هي من صفات الله عزّ و جلّ» و في رواية أبي أسامة عنه (ع) قال: «قال أبي: ألا أخبرك بخمسة لم يطلع الله عليها أحداً من خلقه؟ قلت بلي: قال: إنّ الله عنده». و في رواية الأصبغ قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: «إنّ الله علمين علم استأثر به في غيبه، فلم يطلع عليه نبيّاً من أنبيائه، و لا ملكاً من ملائكته، و ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ) انتهى.
و عن النهج أن أمير المؤمنين (ع) لما أخبر بأخبار الترك و بعض الأخبار الآتية قال له بعض أصحابه: لقد أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب فضحك و قال للرجل- وكان كلبياً-: «يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب، و إنّما هو تعلّم من ذي علم، و إنّما علم الغيب علم الساعة، و ما عدده الله سبحانه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ ...) فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلّا الله» انتهى.
أقول: و الحقّ عدم الاعتماد على هذه الروايات، فإنّهما ضعيفة الأسناد بأجمعها فلا بدّ من النظر إلى لآية الشريفة نفسها، فنقول قوله: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) و إن لم يدلّ على نفي
[١] - هود ١١/ ١٢٣.
[٢] - المائدة ٥/ ١٠٩.
[٣] - الأنعام ٦/ ٧٣.
[٤] - لقمان ٣١/ ٣٤.
[٥] - لاحظ جميع هذه الروايات في البحار ٧/ ٣٠٠.