صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٦ - تفصيل و تحقيق
ففي صحيحة ابن أذينة عن بريد[١] عن أبي جعفر (ع) قال: إنّ رسول الله أفضل الراسخين في العلم، فقد علم جميع ما أنزل الله عليه من التنزيل و التأويل، و ما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه التأويل، و أوصياؤه من بعده يعلمون كلّه. قال: قلت: جعلت فداك إنّ ابا الخطاب كان يقول فيكم قولًا عظيماً، قال: و ما كان يقول؟ قلت: قال: إنّكم تعلمون علم الحلال و الحرام و القرآن! فقال: علم الحلال و الحرام و القرآن يسير في جنب العلم الذي يحدث بالليل و النهار!! و الروايات الدالّة على أشرفية العلم الحادث كثيرة.
و على الجملة: الدعوى المذكورة تنا فيها الروايات المثبتة فضلًا عن النافية. فما في رواية أبي بصير الطويله غير المعتبرة سنداً[٢] من قوله (ع): «و إذا وقع الإمام من بطن أمّه وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فأمّا وضعه يديه على الأرض فإنّه يقبض كلّ علم لله أنزله من السماء إلى الأرض، و أمّا ... فإذا قال ذلك- أي آية شهد الله ..- اعطاه الله العلم الأوّل و العلم الآخر» انتهى، لا بدّ من توجيهه لو صحّ صدور الرواية عنه (ع) مع أنّ لها معارضاً في نفس الباب.
الفائدة الثالثة: دلّت الأخبار الكثيرة على أنّهم (عليهم السلام) يعلمون ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة، و يعلمون الحلال و الحرام، و عندهم مصحف فاطمة (عليهاالسلام) المشتمل على وقائع ما يكون، و أنّ رسول الله (ص) علّم وصيّه ألف باب يفتح من كلّ باب ألف باب، و أنّ علم الكتاب كلّه عندهم إلى غير ذلك من أنواع الأخبار المشار إليها قبلًا، فإذن يقع الكلام و يصعب المقام من جهة العلم الحادث و أنّه أيّ شيء يبقى حتّى يحدث علمه لهم (عليهم السلام) به في ليالي الجمعة أو في الليل و النهار؟ و يمكن أن يجاب عنه بوجوه:
الأول: أنّ العلم ليس يحصل بالسماع و قراءة الكتب و حفظها، فإنّ ذلك تقليد، و إنّما العلم ما يفيض من عند الله سبحانه على قلب المؤمن يوماً فيوماً، ساعة فساعة، فينكشف به من الحقائق ما تطمئن به النفس، و ينشرح له الصدر، و يتنوّر به القلب.
و الحاصل أنّ ذلك مؤكّد و مقرّر لما علم سابقاً، يوجب مزيد الإيمان و اليقين و الكرامة و الشرف بإفاضة العلم إليهم بغير المرسلين.
أقول: ذكره المحدّث الفيض[٣] من غير جعله جواباً للسؤال المذكور و يمكن أن يستدل له
[١] - البحار ٧/ ٣٩.
[٢] - أصول الكافي ١/ ٣٨٦.
[٣] - الوافي ٢/ ١٢٩.