صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣ - الجهة الثانية في أدلة القول بالعصمة
و لا شك في أنهم أعلى درجة من الجهّال و العوام. و هذا غير خفي.
٧- لو صدر عنهم الذنب لزم ردّ شهادتهم؛ لقوله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)[١]؛ و للإجماع على عدم قبول شهادة الفاسق، فيلزم أن يكون أدون حالًا من آحاد الأمة، مع أن شهادته تقبل في الدين القويم، و هو شاهد على الكل يوم القيامة، قال الله تعالى: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ)[٢].
أقول: يدلّ هذا الوجه على عصمتهم فيما بعد النبوة عن المعاصي عمداً.
و لأحد أن يعترضه بأنّه لم تمّ لدلّ على اشتراط العصمة في الشاهد و قبول شهادته، و هو مقطوع الفساد، و السرّ في ذلك أنه ألغيت الواسطة- في هذا الوجه- بين المعصوم و الفاسق، و هو العادل، و من يقول بعدم العصمة لا ينكر عدالتهم، المسوغة لقبول شهادتهم، و من الواضح أن ملكة العدالة لا تنافي الذنب أحياناً، على نحو فصل في علم الفقه.
و أمّا الاستدلال بالآية فهو غريب لاستلزامه عصمة جميع الأمة، فإنهم شهداء على الناس يوم القيامة. و تحقيق المقال؛ أنّ العدالة تعتبر في الشاهد حين الأداء دون التحمّل بلا خلاف اجده، بل عليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر، فالآية المباركة تثبت عدالة الشهداء يوم القيامة، و هي بمراجل عن المقام.
٨- لو لم يكن معصوماً للزم استحقاقه للعذاب و اللعن و اللوم لعموم قوله تعالى: (وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ)[٣]. و لعموم قوله: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[٤] و التالي باطل ضرورة و إجماعاً، فكذا المقدّم.
أقول: مفاده عصمة النبي بعد نبوّته عن الكبائر عمداً؛ إذ قبلها لا إجماع و لا ضرورة؛ إذ لا قائل به سوى الإمامية، و لعلّ المستدلّ أيضاً ادّعى إجماعهم عليه، و الصغائر مكفرة باجتناب الكبائر كما نص عليه القرآن، إلا أن يدّعى أنه لم يثبت في غير الشريعة الإسلامية.
أقول: بطلان التالي إنما هو لأجل العصمة فهو متفرّع على الدعوى لا أنّه مثبت لها، فالأولى أن يدّعى الإجماع على المقدم ابتداءً، فيرجع إلى الوجه الثامن عشر الآتي إن شاء الله.
و أعلم أنّ التالي يتضمّن استحقاق العذاب و اللعن، و الأول يرتفع بالتوبة، و الثاني غير ثابت،
[١] - الحجرات ٤٩/ ٦.
[٢] - الحج ٢٢/ ٧٨.
[٣] - النساء ٣/ ١٤.
[٤] - هود ١١/ ١٨.