صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٢ - الجهة الثالثة معنى العصمة و مفهومها
الثاني: أن يحصل له علم بمثالب المعاصي و مناقب الطاعات.
الثالث: تأكيد هذا المعلوم بتتابع الوحي و الإلهام من الله تعالى.
الرابع: مؤاخذته على ترك الأولى بحيث يعلم أنه لا يترك مهملًا، بل يضيق عليه الأمر في غير الواجب من الأمور الحسنة، فإذا اجتمعت هذه الأمور كان الإنسان معصوماً. انتهى كلامه.
أقول: الأمران الأخيران يحتاجان إلى دليل يدلّ عليهما، و أخذ الملكة في الأمر الأول قد عرفت منافاته لمذهب الإمامية. فكأن الأوجه في تفسير اللطف ما ذكره الفاضل المتقدم أولًا.
فالمعصوم لمكان هذه الألطاف الإلهية تنفر نفسه عن مخالفة الله تعالى كما تنفر نفوسنا عن أكل ما تنفر الطباع منه كالجيف و نحوها؛ و لذا يقول يوسف الصديق (ع): (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي)[١]. فتأمل.
الثاني: هل يعتبر في العصمة عدم إرادة العصيان و ترك الطاعة أم لا؟ صريح ما سبق من العلّامة (رحمه الله) هو الأول، و وافقه المحقق اللاهجي[٢] فقال:
اعلم أن العصمة غريزة[٣] يمتنع بها صدور داعية الذنب، و بامتناعها يمتنع الذنب مع القدرة عليه، و الفرق بينها و بين العدالة أن العدالة ملكة مانعة عن صدور المعصية في الأغلب لاعن صدور إرادتها، فصدور المعصية مع العدالة غير ممتنعة، لكنّه مع العصمة غير ممكنة و إن كانت القدرة عليها حاصلة، فإن الامتناع بسبب عدم الدّاعي لا ينافي المقدورية. انتهى.
أقول: إن كان قصد المعصية غير محرّم فامتناعه بالعصمة محتاج إلى دليل فتأمل[٤]، و إن كان محرّماً فلا بد من امتناعه بملكة العدالة أيضاً. و أمّا حرمة القصد المذكور و عدمها فهي مع طول ذيلها و تعارض أدلّتها غير مربوطة بهذا العلم، فلتطلب من محلّها.
و مهما يكن من أمر، فما ذكره هذان العلمان- و لعلّه مختار الجميع- هو الموافق لقوله تعالى: (وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ)[٥] فإنّه يدلّ على أنّ إرادة الزنا- و هو ألذّ المشتهيات النفسانية- لم تتحقّق من يوسف (ع) كما عن الرضا (ع) لقد همّت به و لو لا أن رآى برهان ربّه لهمّ بها كما همّ لكنّه معصوم، و المعصوم لا يهمّ بذنب و لا يأتيه، و لقد حدثني أبي عن أبيه الصادق (ع) أنه قال: همّت بأن تفعل، و همّ بأن لا يفعل.
[١] - يوسف ١٢/ ٣٣.
[٢] - سرمايه ايمان/ ٥٦.
[٣] - فسّر هذه الغريزة في( گوهر مراد) بقوّة العقل بحيث توجب مقهورية سائر القوى.
[٤] - وجهه أن إرادة المعصية كاشفة عن خبث النفس و شدّة كدورتها فلا تناسب النفس المعصومة.
[٥] - يوسف ١٢/ ٤٢.