صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٦ - الباب الرابع ما تثبت به الإمامة
قال في المواقف و شرحها[١]: و إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار و البيعة- لم يتقدّم منه دليل على ثبوته، بل المتقدّم منه مجرّد دعوى حصولها بهما- فاعلم أنّ ذلك الحصول لا يفتقر إلى الإجماع من جميع أهل الحلّ و العقد؛ إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد و الاثنان من أهل الحلّ و العقد كافٍ في ثبوت الإمامة، و وجوب اتّباع الإمام على أهل الإسلام؛ و ذلك لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين و شدّة محافظتهم على أمور الشرع كما هو حقّها- اكتفوا في عقد الإمامة بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، و عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، و لم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلًا عن إجماع الأمّة، انتهى[٢].
و عن بعض المعتزلة أو أكثرهم اعتبار خمسة أشخاص تمسّكاً بفعل عمر!
قال المحسني مؤلّف الكتاب: و يبطل هذا الطريق قول أبي بكر: إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها، و خشيت الفتنة[٣].
و قول عمر بعده: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة و لكن الله وقى شرها ...- و هو معروف لاحظ صحيح البخاري و غيره- فإذا قبح المخترع نفسه ما اخترعه فكيف بغيره؟!
ثمّ مع الغضّ عنه نقول: المدار في حجّيّة الاختيار و البيعة في إثبات الإمامة هو عمل الأصحاب، بل هذا هو العمدة في إثبات وجوب نصب الإمام و هو الدليل لخلافة الخلفاء الثلاثة، فأساس مذهب العامة في الإمامة و الخلافة هو عمل الأصحاب لا غير، فلا بد من لفت النظر إليه، و إلى ما أوجب هذه القداسة و العصمة لأصحاب رسول الله (ص).
قال ابن حجر[٤]: إنّ الذي أجمع عليه أهل السنّة و الجماعة أنّه يجب على كلّ مسلم تزكية جميع الصحابة، بإثبات العدالة لهم، و الكفّ عن الطعن فيهم؛ و الثناء عليهم.
و قالوا: الدليل على ذلك وجوه:
١- قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[٥].
أقول: و لازمه تعديل جميع الأمة، و هو محسوس البطلان! فالمراد من الآية أنّ مجموع هذه الأمّة بمن فيها من أبرارهم و أئمتهم من حيث المجموع خير من مجموع سائر الأمم، لا أنّ كلّ فرد من هذه الأمّة خير من كلّ فرد من الأمم السابقة فإنّه ضروري الفساد. و عليه فالآية لا تدلّ
[١] - المواقف و شرحها ٣/ ٢٦٧.
[٢] - و هذا هو تغليب الواقع على الحقّ وفقاً لقانون الغابات.
[٣] - شرح النهج لابن أبي الحديد ١/ ١٣٢، عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري.
[٤] - الصواعق المحرقة/ ٢٠٦.
[٥] - آل عمران ٣/ ١١٠.