صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩٠ - تفصيل و تحقيق
و توضيح ما يحتاج منهما إلى البيان في ضمن فوائد فنقول:
الفائدة الأولى: هل النبيّ الخاتم و الأئمة (عليهم السلام) عالمون بكلّ شيء علماً تفصيليّاً كما يعلم الله كلّ شيء كذلك، أم لا؟ لا شكّ في إمكانه، و ما تخيّله بعض البسطاء المعاندين من استلزام ذلك الشركة مع الله تعالى في علمه فاسد، فإنّ علم الله تعالى واجب غير مفاض و لا محدود بحدّ؛ و لذا يتعلّق بذاته تعالى و صفاته و علم النبيّ الخاتم و أوصيائه (عليهم السلام) حادث مفاض من قبل الله تعالى بحيث لو لا إفاضته تعالى عليهم لما علموا شيئاً، و محدود بحدّ خاصّ؛ و لذا لا يحيط بذات الواجب و صفاته ضرورة امتناع إحاطه المحدود بغير المتناهي كما مرّ مفصّلًا في الجزء الثاني فأين الشركة؟!.
و إنّما الكلام في الدليل على وقوعه، و إنّه هل لنا دليل عليه أم لا؟ و قد استدلّ بعضهم عليه بوجوه:
١- إنّ العلم نور، و النور حقيقتهم، فينتج أنّ العلم حقيقتهم.
٢- إنّ الجهل ظلمة، و الظلمة تضاد النور، فيستحيل اجتماعهما بالضرورة فلا يتحقّق فيهم الجهل لما عرفت من أنّهم (عليهم السلام) خلقوا نوريّين.
٣- الجهل خبيث، و قد طهّرهم الله تطهيراً.
٤- قاعدة إمكان الأشرف الحاكمة باستقلال العقل عموم علمهم، كما أنّ مقتضى الفياضيّة للغني بالذات هو إفاضته كذلك بالنسبة إلى المواد التامّة في القابليّة، و إلّا لزم اتّصاف المبدأ بنقص الافتقار أو البخل، و قد ثبت كماله و غناه.
٥- إنّهم الشهداء على العباد، بدليل اللطف، فإنّه كلّما علم العباد ما اختصّ الله به حججه من العلم بالضمائر و السرائر كانوا أبعد عن المعصية و أقرب إلى الطاعة. و يشهد له قوله تعالى: (قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ)[١] أي الأئمة (عليهم السلام).
٦- ما ثبت من وجوب تنزيه الإمام عن الخطأ و النقص المنفّر للطبع، فلو جهل الإمام كغيره بالقبلة مثلًا أو تحيّر لزمه ذلك، بل ربّما أدّى إلى السخرية و الاستخفاف به.
أقول: هذه الوجوه عندي ضعيفة لا تثبت مرام المستدلّ، فإنّ الأوّل فاقد عن كلّيّة الكبرى، و لأجله يبطل الثاني أيضاً.
و الثالث ممنوع بأنّ الخبيث الذي هو مصداق الرجس المنفي عنهم (عليهم السلام) غير شامل للجهل و عدم العلم، بحسب طريقة أهل المحاورة و مواضعة أهل اللغة.
[١] - التوبة ٩/ ١٠٥.