صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤١ - الفائدة الأولى معنى الإعجاز
الطبيعة و يعجز عنه غير شاهداً على صدق دعواه. ذكره بعض أساتذتنا في مدخل تفسيره[١] و عرّفه المحقّق الطوسي بقوله[٢]: المعجزة هو فعل خارق للعادة يعجز عن أمثاله البشر مقروناً بالتحدي.
أقول: لا بدّ من إضافة قيد آخر عليه كما ذكره في تجريده، و هو مطابقته للدّعوى.
و الأوضح أن يقال: إنّه أمر خارق للعادة صادر عقيب دعوى النبوّة أو الإمامية مطابقاً لها، و لا يمكن لبشر معارضته، و ليس معناه التصرف في الأمور الممتنعة أو الواجبة؛ ضرورة بطلان التأثير و التأثّر في الضروريات، بل لو ادّعى أحد ذلك لكان نفس الدّعوى المذكورة دليلًا على كذبه و بساطته.
و هل الإعجاز بمعنى عدم سبب طبيعي للعمل؛ بل بمجرد إرادة الله تعالى يوجد؟ أم بمعنى وجود علّة مادّية طبيعية خفيّة على الناس؟ فيه وجهان ذهب بعض أعلام العصر إلى الثاني قال[٣]: قوله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)[٤] يدل على ثاني الوجهين فإنّها (الآية) تدل على أنّ كلّ شيء من المسببات أعمّ من ما تقتضيه الأسباب العادية أو لا يقتضيه، فإنّ له قدراً قدّره الله سبحانه عليه و ارتباطات مع غيره من الموجودات، و إن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة، فالآية تدلّ على أنّه تعالى جعل بين الأشياء جميعاً ارتباطات و اتصالات؛ له أن يبلغ إلى كلّ ما يريد من أيّ وجه شاء، و ليس هذا نفياً للعلّية و السببية بين الأشياء، بل إثبات أنّها بيد الله سبحانه يحوّلها كيف يشاء و أراد. ففي الوجود علّية و إرتباط حقيقي بين كلّ موجود و ما تقدّمه من الموجودات المنتظمة، غير أنّها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة، بل على ما يعلمه الله و ينظمه.
و هذه الحقيقة هي التي تدلّ عليها آيات القدر كقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[٥] و قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ[٦] و قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى[٧] ... فإنّ الآية الأولى و كذا بقيّة الآيات تدلّ
[١] - البيان/ ٢٠.
[٢] - شرح قواعد العقائد/ ٧١.
[٣] - تفسير الميزان ١/ ٧٦.
[٤] - الطلاق ٦٥/ ٣.
[٥] - الحجر ١٥/ ٢١.
[٦] - القمر ٥٤/ ٤٩.
[٧] - الأعلى ٨٧/ ٢- ٣.