صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٤٩ - الباب العاشر في نفي الغلو و التفويض
بالظواهر و إن كانت على خلاف الحقيقة عند الله. و يجوز أن يدلّه الله على الفرق بين الصادقين من الشهود و الكاذبين، فلا يغيب عنه حقيقة الحال. و الأمور في هذا الباب متعلّقة بالألطاف و المصالح التى لا يعلمها على كلّ إلّا الله عزّ و جلّ، و لأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال:
فمنهم: من يزعم أنّ أحكام الأئمة (عليهم السلام) على الظاهر دون ما يعلمونه على كلّ حال.
و منهم: من يزعم أنّ أحكامهم إنّما هي على البواطن دون الظاهر التي يجوز فيها الخلاف.
و منهم: من يذهب إلى ما أخترته أنا من المقال. انتهى كلامه.
أقول: القول الأوّل هو المطابق للقاعدة، إلّا أن يدلّ الدليل على القول الثالث كما ادّعاه المجلسي و هو غير بعيد. و أمّا القول الثاني فهو فاسد.[١]
٦- تفويض تشريع الأحكام، بأن يوجبوا شيئاً، و يحرّموا شيئاً أو يحكموا بالكراهة أو الندب أو الإباحة و هذا أمر ممكن فإنّ الله سبحانه أعطاهم من العلم ما يمكنهم الإحاطة بالمصالح الواقعية و مناطات الأحكام الدينيّة، فيحكمون على طبقها و إن لم ينزل به جبريل (ع) و إلّا فالمرجع واحد فإنّهم لا يشاءون و إلّا أن يشاء الله.
بل تقدّم في المقصد السابق أنّ هذا المعنى من التفويض ثابت للنبيّ الأعظم (ص) بدلالة كثير من الروايات، و أنّه (ص) قد شرّع عدّة محدودة من الأحكام فلاحظ فهو (ص) و إن فوّض إليه التشريع كليّاً لكنّه لم يسن إلّا بعض الأحكام، نعم لم يكن له تغيير ما شرّعه الله تعالى، و هذا ضروري.
و أمّا في حقّ أوصيائه الكرام (عليهم السلام) فلم يثبت، و إن ورد فيه جملة من الروايات[٢] إلّا أنّ كلّها قاصر سنداً، فلذا لم اعتمد عليها، نعم هنا رواية صحيحة واحدة وردت في حقّ أمير المؤمنين (ع) وحده و هي ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني (قدس سره) بإسناده عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إنّ الله عزّ و جلّ أدّب نبيّه على محبّته فقال: (وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[٣] ثمّ فوض إليه فقال عزّ و جلّ: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)[٤] قال: ثمّ قال: و إن نبيّ الله فوّض إلى عليّ و أتمنه فسلّمتم و جحد الناس فو الله لنحبّكم أن تقولوا إذ قلنا و أن تصمتوا إذا صمتنا، و نحن فيما بينكم و بين الله عزّ و جلّ. ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا.
[١] - لاحظ الكافي ١/ ٣٩٧- ٣٩٨، الطبعة الأولى. و على كلّ، الأقوى جواز الحكم لكلّ قاضي بعلمه في حقوق الناس و حقوق الله تعالى.
[٢] - لاحظ أصول الكافي ١/ ٢٥٦، و البحار ١٧/ ٢٦٠. و ٢٦٢، المجلد السابع.
[٣] - القلم ٦٨/ ٤.
[٤] - النساء ٤/ ٨٠.