صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٨ - الباب الرابع ما تثبت به الإمامة
بل الصحيح أنّ الآية المباركة لا تشمل جميع المبايعين تحت الشجرة المذكورة فإنّ المرضيّين هم المؤمنون، و أمّا المنافقون فلم يرض الله ببيعتهم، و سيأتي أنّ القرآن صريح في وجود المنافقين بين الأصحاب. و هذا ظاهر و عليه فكلّ صحابي يراد مدحه بهذه الآية أو تعديله فلا بد من إثبات إيمانه أوّلًا و عدم كونه من المنافقين، و إلّا لكان من قبيل التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية الباطل عند المحقّقين من الأصوليين. بل من قبيل إثبات الموضوع بالحكم و هو باطل قولًا واحداً.
و ثانياً: أنّه ليس المفهوم من الآية أنّ الله تعالى لم يكن راضياً عنهم قبل هذا، فرضي عنهم ببيعتهم هذه فصاروا مرضيّين لأجلها.
و بعبارة جامعة: ليست البيعة المذكورة جهة تعليلية، بل هي جهة تقييديّة، و معنى الآية أنّ الله تعالى رضي ببيعتهم هذه و أنّها وقعت محبوبة له تعالى، و من الواضح أنّ قبول عمل من أحد عند الله تعالى لا يدلّ- عقلًا و نقلًا- على عدالته من أوّل وقت إيمانه إلى آخر عمره، بل و لا على بقاء إيمانه إلى حين موته؛ فلا مانع من أن يعمل عامل عملًا صالحاً لوجه الله فيقبله الله تعالى منه ثمّ نكس و ارتدّ فأصبح من المغضوب عليهم الله تعالى فأحبط عمله المقبول أو يعجّل في ثوابه و جزائه في الدنيا.
و الذي يدلّك على هذا في خصوص المقام قوله تعالى قبل الآية المستدلّ بها: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)[١] فقد أخبر الله تعالى عن عظمة هذه البيعة و كبر شأنها و أنّها بمنزلة بيعة الله تعالى نفسه مضافاً إلى الذين استشهدوا في الغزوات؛ و لم يبقوا إلى زمان الفتن بعد وفاته (ص). ثمّ قال بلا فصل: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)[٢].
ثمّ إنّ الله تعالى لم يعدهم بالثواب الأخروي في خصوص بيعتهم هذه بل وعدهم بقوله: وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَ مَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ...* وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها انتهى.
و قد وفى الله تعالى بوعده و أثابهم ذلك، و أمّا من استقام على الطريقة الحقّة فيؤتيه الله أجره في الآخرة أيضاً تفضّلًا منه. و أمّا من اختار الغواية بسوء اختياره فما له في الآخرة من نصيب بل هو من الخاسرين، فإنّه نكث على نفسه.
[١] - الفتح ٤٨/ ١٠.
[٢] - الفتح ٤٨/ ١٠.