صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٠ - تنقيد و تحقيق
و قد ورد من طريق العامّة قوله (ص) في قصّة تلاوة سورة البراءة و غيرها: «و لكن جبرائيل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك» و مثل هذه الروايات كثيرة تقدّم بعضها في هذا الباب و عليه فالمنازل المذكورة كلّها ثابتة لعلّي (ع) على نحو قرّرناه.
و انطلاقاً من ذلك فقد تمّت دلالة الرواية الشريفة على إمامة أمير المؤمنين بعد النبيّ الأكرم (ص) و خلافته منه. و ممّا يؤكّده أنّ موسى (ع) سأل مشاركة هارون في أمره في أوّل رسالته، و رسول الله (ص) أيضاً نصّ على خلافة عليّ في أوّل يوم رسالته كما مرّ في حديث يوم الإنذار، و من عجيب الأمر أنّه (ص) قال في ذلك اليوم- كما في بعض الروايات و قد مرّت إحديها-: فقد جعله الله من نبيّه بمنزلة هارون من موسى! و هذا من معجزات النبيّ الأعظم (ص).
تنقيد و تحقيق
قال الذين رأوا مصادمة الحديث لأساس بنيانهم أنّه دون ما رامه الشيعة لوجوه:
١- إنّ العام المخصّص غير حجّة في الباقي، أو حجّة ضعيفة، و لا شكّ أنّ منزلة الأخوة و النبوّة مستثناة من المنازل الثابتة لهارون، فلا حجّيّة في عموم قوله: «بمنزلة هارون»[١].
أقول: قد تقرّر في أصول الفقه أنّ العامّ حجّة في الباقي، و أنّ التخصيص لا يستلزم المجاز، و القول بعدم حجّيّته قد انقرض و صار المذهب على خلافه، فإنّه كان في غاية الضعف، بل هو قريب من الهذيان، فإنّه يبطل الفقه من أساسه!! إذ العمومات جلّها أو كلّها قد خصّصت بأمور أقلها الشرائط العامّة و قد قيل قديماً: ما من عامّ إلّا و قد خصّ، فلو لا حجّية العامّ المخصّص في الباقي لسقط الفقه و فسد الاستنباط، و لعلّ المستشكل لم يكن يصلّي بدليل عدم حجّيّة العمومات الآمرة بالصلاة بعد تخصيصها بغير الحائض و النفساء!!.
و إنّي لا أظنّ يلتبس الأمر على أمثال العضدي و الجرجاني، و أن يلتزم به في غير هذا المقام غير أنّهم يرون أنفسهم معذورين في المقام، و الحقّ معهم، فإنّ العصبيّة تبطل إدراك العقل.
٢- اختصاص الحديث بمورده، و هو أنّ رسول الله (ص) حين استخلفه في المدينة عند رواحه إلى غزوة تبوك، فقال له أمير المؤمنين (ع): أتخلّفني في النساء و الصبيان؟ فقال (ص): «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» أراد (ص) كونه بمنزلة هارون في خلافته عن موسى مدّة غيبته عن قومه و ذهابه إلى الطور فهو خليفة في وقت خاصّ.
و يزيّف أوّلًا: أنّ العبرة بعموم اللفظ دون خصوصيّة المورد، فقد تقرّر في أصول الفقه أنّ
[١] - لاحظ شرح المواقف للجرجاني ٣/ ٢٧٣، و صواعق ابن حجر/ ٤٧. و قد غاب عنهم أنّ الاستثناء في قوله( ص):« إلّا أنّه لا نبيّ بعدي». دليل على العموم.