صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١١٦ - المبحث الثاني عشر في أنه(ص) أمي
وَ الْحِكْمَةَ)[١] فكيف كان يعلّمهم ما لا يحسن؟ و الله لقد كان رسول الله (ص) يقرأ و يكتب باثنين و سبعين، أو قال: بثلاثة و سبعين لساناً. و إنّما سمي الأمي؛ لأنّه كان من أهل مكّة، و مكّة من أمّهات القرى، و ذلك قول الله عز و جلّ: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها)[٢].
أقول: الرواية تدلّ على أنّه (ص) يحسن الكتابة لا أنّه كتب كتاباً فإنّه هو مورد السؤال، و هو الظاهر من الجواب أيضاً، فإنّه لا شكّ أنّه ما كتب بعشرين لغة فضلًا عن سبعين لساناً، و هذا دليل قطعيّ على أنّ المراد هو التمكّن من الكتابة و القراءة لا وقوعهما، بل هو المنصوص في قوله (ع): يعلّمهم ما لم يحسن؟. فمفاد الرواية أنّه (ص) كان عالماً بالكتابة بعد رسالته، و هذا امر نقول به و إن لم تكن هذه الرواية.
و من هذا البيان يظهر الحال في (ثانيتهما) و هي مرفوعة علي بن أسباط[٣] على أنّها ضعيفة سنداً.
بل الأولى أيضاً ضعيفة؛ فإنّ رجال السند و إن كانوا ثقات غير أنّ الصوفيّ المذكور مهمل لم أحده في الكتب الرجالية.
و ممّا يدلّ على أنّه (ص) يحسن الكتابة قوله (ص)- المتّفق عليه بين المسلمين في مرض وفاته:- «إيتوني بداوة و كتف- بياض- لأكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً». لكن منع عمر منه، و قال: قد غلبه الوجع. أو قال: إنّه يهجر- نعوذ بالله منه- إلّا أن يقال: إنّه (ص) كان يأمر أحد أصحابه بالكتابة و هو خلاف الظاهر.
و المتحصّل من جميع ذلك: أنّ النبيّ الخاتم (ص) لم يقرأ قبل النبوّة قطعاً، و قرأ بعدها كما دلّ عليه الروايات، و أنّه (ص) لم يكتب أصلًا و إن كان يحسن الكتابة بعد رسالته؛ و ذلك لدلالة الروايات عليه كما عرفت، لا لوجوه ذكرها شيخنا المفيد في أوائل المقالات[٤] فإنّها غير ناهضة على مرامه أصلًا.
و هذا- أي كونه (ص) يحسن الكتابة- مذهب جماعة من الإمامية، و يخالف فيه باقيهم، و سائر أهل المذاهب و الفرق يدفعونه و ينكرونه كما نص عليه المفيد (قدس سره).
قال بعض الأجلاء[٥]: إنّ المشهور لدى المفسّرين و جمهور المسلمين أنّه (ص) أمّي أي لا
[١] - الجمعة ٦٢/ ٢.
[٢] - الأنعام ٦/ ٩٢.
[٣] - البحار ١٦/ ١٣٣.
[٤] - أوائل المقالات/ ١١٣.
[٥] - لاحظ كلامه في حاشية أوائل المقالات/ ١١٣.